سجلت عملة البيتكوين تراجعا ملحوظا خلال تعاملات يوم الاثنين الموافق 23 مارس 2026، حيث انخفضت إلى نحو 68 ألف دولار، متأثرة بتصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، والتي دفعت المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر. وقد سجلت العملة انخفاضًا بنسبة تقارب 0.7% لتصل إلى نحو 68,652 دولارًا في بداية التداولات، مواصلة خسائرها التي بدأت خلال عطلة نهاية الأسبوع، في ظل تزايد حالة عدم اليقين بشأن التداعيات الاقتصادية للصراع.
الضغوط على الأسواق العالمية
وجاء هذا التراجع في سياق أوسع من الضغوط التي طالت الأسواق العالمية، حيث ساهمت المخاوف من تصعيد محتمل بعد توجيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنذارًا لإيران بضرورة إعادة فتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة، في زيادة القلق بين المستثمرين.
ويُعد المضيق أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط عالميًا، ما يجعل أي تهديد لإغلاقه عاملا مؤثر بشدة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية. وقد ردت طهران بتهديدات مضادة، ما زاد من احتمالات التصعيد، خاصة مع استمرار الصراع للأسبوع الرابع دون مؤشرات واضحة على التهدئة.
ورغم هذه التراجعات الأخيرة، لا يزال أداء البيتكوين يُظهر قدرًا من التماسك النسبي مقارنة ببعض الأصول التقليدية، إذ سجلت العملة ارتفاعًا بنحو 6% خلال الشهر الماضي، في حين شهد الذهب انخفاضًا حادًا وصل إلى نحو 18% بعد أن كان قد سجل مستويات قياسية في وقت سابق من العام.
وفي الوقت نفسه، استفادت البيتكوين من تحسن البيئة التنظيمية في الولايات المتحدة، إضافة إلى تجدد اهتمام المستثمرين الباحثين عن فرص استثمارية بعد موجة تصحيح سابقة، رغم أنها لا تزال منخفضة بأكثر من 20% منذ بداية العام، ما يعكس استمرار حالة التقلب في سوق العملات الرقمية.
وفي هذا السياق، قالت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إنه رغم التراجع فإن عملة البيتكوين أظهرت قدرا ملحوظا من التماسك منذ اندلاع الحرب الأخيرة، مقارنة بعدد من الأصول التقليدية، رغم تصاعد التوترات العالمية وارتفاع أسعار الطاقة بشكل كبير.
وأوضحت رمسيس أن فكرة اعتبار البيتكوين “ذهبا رقميا” لا تزال قائمة إلى حد كبير، مشيرة إلى أن الأسواق شهدت خلال الأيام العشرة الأخيرة تراجع حاد في أسعار الذهب، في حين حافظت البيتكوين على استقرار نسبي، وهو ما يعكس تغير سلوك بعض المستثمرين تجاه الأصول المختلفة.
وأكدت أن البيتكوين، رغم هذا التماسك، لا تزال أصل عالي المخاطر، وتتأثر بمجموعة من العوامل المتشابكة، بعضها إيجابي يدعم الأسعار، وبعضها الآخر يمثل ضغوطًا قد تدفعها للتراجع.
تأثير الحرب على تكلفة التعدين
وحذرت رمسيس من الضغوط السلبية التي تواجه السوق، خاصة تلك المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكلفة التعدين، وهو ما ينعكس سلبا على المعدنين.
وأشارت إلى أن المعدنين يواجهون حاليا فجوة مالية تُقدر بنحو 19 ألف دولار نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة بالتزامن مع تراجع أسعار البيتكوين، ما قد يدفع صغار المعدنين إلى الخروج من السوق أو بيع ما لديهم من عملات، وهو ما قد يزيد من الضغوط البيعية على الأسعار.
كما أوضحت أن حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية تدفع بعض المستثمرين إلى الخروج من الأصول عالية المخاطر، بما في ذلك العملات الرقمية، وهو ما يمثل عامل ضغط إضافي.
وفيما يتعلق بقدرة البيتكوين على أن تكون ملاذًا آمنًا، أكدت رمسيس أن هذا الجدل لا يزال قائما، حيث يرى البعض أنها لا تؤدي هذا الدور في أوقات الأزمات نظرًا لطبيعتها عالية المخاطر، وهو رأي تدعمه بيانات الأداء التاريخي على مدى السنوات الماضية.
إلا أنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن الأداء خلال الأسبوعين الأخيرين يعكس صورة مختلفة، حيث أظهرت البيتكوين تماسكا واضحا مقارنة بأصول تقليدية مثل الذهب والفضة التي شهدت تراجعات حادة، وهو ما يعيد فتح النقاش حول دورها في المحافظ الاستثمارية.
وأضافت أن البيتكوين لا تزال الأكثر استقرارا بين العملات الرقمية، رغم أن الإيثريوم سجل أداء أفضل من حيث العوائد خلال الأيام الأخيرة، في حين تبقى معظم العملات الأخرى أكثر عرضة للمخاطر بسبب ضعف الاستخدام وقلة العوائد.
واختتمت حنان رمسيس تصريحاتها بالتأكيد على أن مستقبل البيتكوين خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبط بتطورات الأوضاع الجيوسياسية، واتجاهات أسعار الطاقة، إضافة إلى الإطار التنظيمي، الذي سيكون له دور حاسم في تحديد مسار سوق العملات الرقمية خلال المرحلة القادمة.


