في كلمته خلال حفل ختام منتدى مصر 2026، طرح الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، سؤالا ضمن شواغل الرأي العام ويردده الكثيرون، حول جدوى التنمية إلى اختبار نتائجها على أرض الواقع وهو: هل شعر المواطن بثمار التنمية؟.
وقبل أن يختتم كلمته، توقف رئيس الوزراء أمام ما وصفه بمحاولة ترسيخ صورة ذهنية مفادها أن المواطن لم يشعر بثمار التنمية، مؤكدا أن الأرقام والنتائج التي تضمنها العرض التاريخي لمسيرة الدولة خلال السنوات الماضية تقدم إجابة واضحة عن هذا التساؤل.
ومن المستفيدين من المبادرات الصحية والاجتماعية، إلى الأسر التي انتقلت إلى مساكن آمنة، والقرى التي امتدت إليها خدمات الصرف الصحي والغاز الطبيعي، وملايين المواطنين الذين استفادوا من تطوير النقل والتعليم والبنية الأساسية، استندت إجابة رئيس الوزراء إلى حصيلة رقمية تكشف حجم المستفيدين من المشروعات والمبادرات الحكومية.
12 عاما من البناء والتنمية تحت المجهر
وفي كلمته خلال الجلسة الختامية للمنتدى، استعرض الدكتور مصطفى مدبولي ما وصفه بحجم ما تحقق على أرض الدولة المصرية خلال الاثني عشر عامًا الماضية، محاولا الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الرئيسية: أين كانت مصر؟ وكيف أصبحت؟ وماذا كان سيحدث لو لم تُنفذ هذه المشروعات؟ والأهم، هل شعر المواطن المصري بثمار التنمية؟
وأكد رئيس الوزراء أن الهدف من المنتدى لم يكن مجرد سرد الإنجازات، وإنما فتح باب الحوار والنقاش الجاد حول مسيرة التنمية، وتقييم ما تحقق، وتحديد مستهدفات السنوات الثلاث المقبلة.
وأشار إلى أن الحكومة ملتزمة بإتاحة الخطوات المتفق عليها وإجراءاتها التنفيذية للمواطنين عبر منصة المنتدى، بما يسمح بمتابعة ما سيتم إنجازه خلال المرحلة المقبلة.
وشدد مدبولي على أهمية توثيق هذه المرحلة للتاريخ، خاصة أن قطاعًا كبيرا من الشباب لم يعاصر ما شهدته مصر في عام 2011 وما تلاه من اضطرابات وتحديات أمنية واقتصادية، مؤكدا أن التاريخ يسجل الأحداث بالصوت والصورة، وأن استيعاب الحاضر يتطلب معرفة دقيقة بما كانت عليه الأوضاع في الماضي.

من أزمات متراكمة إلى مشروع متكامل لبناء الدولة
واستعرض رئيس الوزراء الظروف التي تولى فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية، مشيرا إلى أن الدولة كانت تواجه تحديات أمنية واقتصادية وعمرانية متراكمة، إلى جانب تركز السكان والأنشطة الاقتصادية في مساحة محدودة من إجمالي مساحة مصر.
وأوضح أن الكثافة السكانية والضغط على البنية الأساسية تسببا في تراجع كفاءة الطرق والمرافق والمدارس والمستشفيات وشبكات الكهرباء والصرف الصحي، فضلًا عن تركز جانب كبير من الاستثمارات في عدد محدود من المحافظات.
وأشار إلى أن الفترة من 2011 إلى 2014 شهدت تراجعًا في الاحتياطي النقدي والاستثمارات الأجنبية، وانخفاض معدل النمو الاقتصادي من 5.1% إلى 1.9%، وارتفاع البطالة إلى 13.2%، وزيادة عجز الموازنة من 8% إلى 12%.
وأكد أن مواجهة هذه التحديات لم تكن ممكنة، بحسب رؤيته، من خلال حلول مؤقتة أو ما وصفه بـ«المسكنات»، وإنما تطلبت مشروعًا متكاملًا يستهدف بناء الدولة، وتطوير مواردها، وخلق فرص اقتصادية، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وفيما يلي أبرز مؤشرات التنمية التي استعرضها رئيس الوزراء، قطاعًا بقطاع، وفقًا للأرقام الواردة في كلمته.
“حياة كريمة”.. 61 مليون مواطن مستهدفون و18 مليون مستفيد بالمرحلة الأولى
تتصدر المبادرة الرئاسية “حياة كريمة” قائمة المشروعات التنموية من حيث نطاق المستفيدين، إذ يبلغ إجمالي المستهدفين منها نحو 61 مليون مواطن على مستوى الجمهورية.
وأوضح رئيس الوزراء أن المرحلة الأولى، التي أشار إلى قرب انتهائها، يستفيد منها 18 مليون مواطن، بينهم 11 مليون مواطن في صعيد مصر، بما يعكس حجم التركيز على المناطق والقرى الأكثر احتياجًا للخدمات الأساسية.
وتطرح هذه الأرقام سؤالا مباشرا، كيف يمكن قياس أثر التنمية في حياة المواطنين إذا لم تُحتسب الخدمات التي تصل إلى القرى والمناطق التي عانت لسنوات من نقص البنية الأساسية.

الإسكان الآمن.. 1.5 مليون مواطن بعيدا عن المناطق المهددة للحياة
في ملف تطوير العمران والقضاء على المناطق غير الآمنة، أشار رئيس الوزراء إلى تنفيذ وحدات سكنية لنحو 1.5 مليون مواطن، في إطار جهود الدولة لتوفير مساكن آمنة للأسر التي كانت تعيش في مناطق تهدد حياتها.
وأكد أن العائد من هذه المشروعات لا يُقاس فقط بالقيمة الاقتصادية، وإنما يمتد إلى حماية الأرواح والأطفال، وتوفير بيئة سكنية أكثر أمانًا واستقرارا.
وأضاف أن هذه التدخلات جنّبت المواطنين مخاطر كان يمكن أن تؤدي إلى سقوط ضحايا، سواء بسبب انهيارات صخرية أو السيول أو التعرض لمخاطر أسلاك الضغط العالي.
وفي سياق متصل، استفادت مليونا أسرة من مشروعات “سكن لكل المصريين” وتطوير عواصم المحافظات، إلى جانب نحو 8 ملايين نسمة يعيشون في مناطق غير مخططة تعمل الدولة على تطويرها.
الصحة.. 63 مليون مواطن تلقوا خدمات الكشف والعلاج من فيروس سي
في القطاع الصحي، استعرض رئيس الوزراء مجموعة من الأرقام التي تعكس اتساع نطاق التدخلات الصحية، وفي مقدمتها الكشف على 63 مليون مواطن ضمن جهود مواجهة فيروس سي، وعلاج من احتاجوا إلى العلاج.
وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت في حماية حياة المواطنين والحد من مخاطر مرض كان يهدد صحة أعداد كبيرة منهم ومستقبلهم الصحي.
كما نفذت الدولة 3.3 مليون عملية جراحية ضمن منظومة القضاء على قوائم الانتظار، لتقليل فترات انتظار المرضى وإتاحة التدخلات الطبية اللازمة لهم.
وبالتوازي، بلغ عدد المسجلين في المرحلة الأولى من منظومة التأمين الصحي الشامل 5.5 مليون مواطن في محافظات بورسعيد والأقصر والإسماعيلية وجنوب سيناء والسويس وأسوان.
وتضع هذه المؤشرات ملف الصحة ضمن أبرز القطاعات التي يمكن قياس أثر التنمية فيها من خلال عدد المستفيدين، ونطاق التغطية الصحية، وإتاحة العلاج والتدخلات الجراحية.

الحماية الاجتماعية.. 8.3 مليون أسرة استفادت من برامج الدعم
وفي ملف الحماية الاجتماعية، أشار رئيس الوزراء إلى استفادة 8.3 مليون أسرة من جهود دعم الأسر الأولى بالرعاية، موضحًا أن هذا العدد يتوزع على ثلاث فئات:
4.7 مليون أسرة تستفيد حاليًا من برنامج الدعم النقدي.
2.2 مليون أسرة خرجت من البرنامج بعد تحسن أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.
1.4 مليون أسرة خرجت نتيجة تغير ظروفها.
وتعكس هذه الأرقام، وفقا لما عرضه رئيس الوزراء، اتساع قاعدة المستفيدين من برامج الدعم، مع الإشارة إلى أن خروج بعض الأسر من البرنامج جاء بعد تحسن أوضاعها، بينما ارتبط خروج أسر أخرى بتغير ظروفها.

الغاز الطبيعي.. 16.2 مليون أسرة استفادت من التوصيل للمنازل
في قطاع الطاقة والخدمات المنزلية، بلغ عدد الأسر المستفيدة من جهود توصيل الغاز الطبيعي للمنازل 16.2 مليون أسرة.
ويمثل هذا الرقم مؤشرا على حجم التوسع في إتاحة خدمات الطاقة للمنازل، وما يرتبط بها من تغيير في نمط الاستخدام اليومي للطاقة داخل الأسر المستفيدة.
الصرف الصحي بالقرى.. ارتفاع التغطية من 10–12% قبل 2014 إلى نحو 60%
وفي واحد من أبرز ملفات البنية الأساسية بالريف المصري، قارن رئيس الوزراء بين نسبة القرى التي كانت تتمتع بخدمات الصرف الصحي قبل عام 2014، والتي تراوحت بين 10% و12% فقط، وبين النسبة الحالية التي وصلت إلى نحو 60%.
وتكشف المقارنة عن توسع كبير في نطاق الخدمة، بما ينعكس على مستوى المرافق الأساسية في القرى، ويعزز جهود تحسين البيئة الصحية والمعيشية للمواطنين.
ويظل هذا الملف من المؤشرات المهمة لقياس التنمية، خصوصًا في المناطق التي عانت لسنوات من نقص خدمات الصرف الصحي.

التعليم.. خفض متوسط كثافة الفصول من 100 طالب إلى نحو 45 طالبا
وفي قطاع التعليم، استعرض رئيس الوزراء تطور متوسط كثافة الفصول الدراسية، مشيرًا إلى أنها كانت تصل إلى نحو 100 طالب في الفصل قبل عام 2014، بينما انخفضت حاليًا إلى نحو 45 طالبا.
كما أشار إلى مبادرة تعيين 150 ألف معلم، التي تستهدف مواجهة مشكلة عجز المعلمين، مؤكدًا أن الاستفادة من هذه الخطوة لا تقتصر على المعلمين وأسرهم، بل تمتد إلى الطلاب والمجتمع ككل.
وتضع هذه الأرقام ملف التعليم أمام مؤشرين أساسيين: تقليل كثافة الفصول، وزيادة أعداد المعلمين، باعتبارهما من العوامل المرتبطة بقدرة المدارس على تقديم الخدمة التعليمية.
فرص العمل.. 164 ألف فرصة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس و50 ألفًا بالمجمعات الصناعية
وفي قطاع الاستثمار والصناعة، أشار رئيس الوزراء إلى أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس جذبت استثمارات وفرت 164 ألف فرصة عمل، إلى جانب 50 ألف فرصة عمل وفرتها المجمعات الصناعية.
وتعكس هذه الأرقام جانبا من الأثر المتوقع للاستثمارات الصناعية والاقتصادية على سوق العمل، من خلال توفير فرص تشغيل جديدة، وفتح مجالات للعمل أمام الشباب.
ويبرز هذا الملف أهمية الربط بين جذب الاستثمارات وتحويلها إلى فرص عمل فعلية، باعتبار أن توفير الدخل والعمل أحد المسارات التي يشعر المواطن من خلالها بأثر النشاط الاقتصادي.

النقل.. قطارات مكيفة وقطار كهربائي سريع وخفيف ومونوريل ومراحل جديدة للمترو
وفي قطاع النقل، استعاد رئيس الوزراء صورة القطارات التي كان المواطنون يستخدمونها في السابق، والتي وصفها بأنها كانت تفتقر في بعض الحالات إلى الأبواب والنوافذ، وتعاني من كثرة الأعطال.
وأشار إلى التطور الذي شهدته منظومة النقل، من خلال تشغيل قطارات مكيفة تمر عبر عدد من قرى مصر، إلى جانب مشروعات القطار الكهربائي السريع والقطار الكهربائي الخفيف والمونوريل ومراحل التوسع في مترو الأنفاق.
ولم يقدم رئيس الوزراء في الجزء المعروض من كلمته رقمًا إجماليا للمستفيدين من هذه المشروعات، لكنه استند إلى التطور في وسائل النقل وجودة الخدمة لتوضيح جانب من التغير الذي شهدته البنية الأساسية خلال السنوات الماضية.

الأرقام تجيب.. لكن قياس الأثر يظل الاختبار الأهم
تقدم الأرقام التي استعرضها رئيس الوزراء صورة واسعة لحجم المستفيدين من مشروعات التنمية في قطاعات الإسكان والصحة والتعليم والطاقة والنقل والحماية الاجتماعية والصناعة.
فبين 61 مليون مواطن مستهدفين بمبادرة “حياة كريمة”، و63 مليون مواطن شملتهم جهود الكشف والعلاج من فيروس سي، و16.2 مليون أسرة استفادت من توصيل الغاز الطبيعي، و5.5 مليون مواطن مسجلين بمنظومة التأمين الصحي الشامل، تتعدد مؤشرات الوصول إلى المواطنين واتساع نطاق الخدمات.
لكن الإجابة الكاملة عن سؤال “هل شعر المواطن بثمار التنمية؟” لا تتوقف عند عدد المستفيدين وحده، بل ترتبط أيضا بجودة الخدمة واستمرارها، وتكلفتها على الأسرة، ومدى انعكاسها على مستوى المعيشة والدخل وفرص العمل.
وهنا تبرز أهمية ما طرحه رئيس الوزراء في الجلسة الختامية لمنتدى مصر 2026، حول الانتقال من الجدل حول وجود التنمية إلى مناقشة نتائجها، وقياس أثرها الفعلي في حياة المواطنين، فالأرقام توضح حجم ما تحقق، أما التحدي المستمر فهو أن تتحول هذه الأرقام إلى تحسن ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.

