أكد الدكتور وليد عادل، الخبير الاقتصادي، أن اشتعال نيران الحرب في الخليج لا يقتصر تأثيره على الجوانب العسكرية، بل يمتد سريعًا إلى أسواق المال العالمية، وعلى رأسها سوق العملات، مشيرًا إلى أن كل مواجهة عسكرية كبرى في الشرق الأوسط تعيد رسم خريطة الدولار والعملات الإقليمية والدولية وفقًا لمعادلة دقيقة تحكمها مستويات المخاطر وتوقعات المستثمرين.
وأوضح أن التصعيد العسكري الأميركي والإسرائيلي ضد إيران، إذا استمر أو توسع، لن يكون مجرد حدث عسكري، بل سيتحول إلى صدمة مالية عالمية ذات تداعيات مباشرة على سعر الدولار، وأسعار العملات في المنطقة، واستقرار الأسواق الناشئة.
لماذا يرتفع الدولار في الحروب؟
وأشار وليد عادل إلى أن التاريخ المالي يظهر نمطًا واضحًا؛ فعندما تندلع أزمات عسكرية كبرى، يتحرك المستثمرون وفق مبدأ “الهروب من المخاطر إلى الأمان”. والدولار الأميركي يُعد العملة الأكثر أمانًا عالميًا لعدة أسباب، منها أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر اقتصاد في العالم، وأن الدولار يمثل أكثر من 58% من الاحتياطيات النقدية العالمية، إضافة إلى أن معظم التجارة الدولية، خاصة النفط، تُسعر بالدولار، فضلًا عن أن سوق السندات الأميركية هو الأكثر سيولة وأمانًا.
وأوضح أنه مع أي تصعيد عسكري كبير يحدث ما يُعرف بظاهرة “Flight to Safety”، حيث يقوم المستثمرون ببيع الأصول الخطرة وشراء الدولار والسندات الأميركية، ما يؤدي إلى ارتفاع الدولار مقابل معظم العملات. لكنه شدد على أن هذه القاعدة ليست مطلقة، إذ يعتمد تأثير الحرب على الدولار على عاملين متناقضين؛ الأول هو زيادة الطلب على الدولار كملاذ آمن، وهو ما يدعمه، والثاني هو احتمال ارتفاع عجز الموازنة الأميركية بسبب تكاليف الحرب، ما قد يضغط عليه لاحقًا. وأكد أن العامل الأول عادة ما ينتصر في المدى القصير.
عملات الخليج والنفط.. مفارقة مهمة
وفيما يتعلق بالعملات المرتبطة بالنفط، مثل الريال السعودي والدينار الكويتي، أوضح عادل أن الحرب في الشرق الأوسط عادة ما تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما يقوي المراكز المالية للدول النفطية. إلا أن هناك مفارقة مهمة، تتمثل في أن الريال السعودي والدينار الكويتي مرتبطان بالدولار أو بسلة عملات يقودها الدولار، وبالتالي لن نشهد تقلبات حادة في سعرهما الرسمي.
لكنه أكد أن التأثير الحقيقي يظهر في قوة الاحتياطيات، وتدفقات رؤوس الأموال، والفوائض المالية. فإذا ارتفع النفط إلى مستويات 100 أو 120 دولارًا للبرميل، فإن ذلك سيزيد من فوائض دول الخليج ويعزز استقرارها النقدي، ما يجعلها من أكبر المستفيدين ماليًا حتى لو لم يتغير السعر الاسمي للعملة بشكل كبير.
الأسواق الناشئة.. نقطة الخطر
وأشار الدكتور وليد عادل إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في عملات الأسواق الناشئة، مثل الجنيه المصري أو الليرة اللبنانية، والتي تتأثر بالحروب عبر ثلاث قنوات رئيسية. أولها خروج رؤوس الأموال، إذ يقوم المستثمر الأجنبي ببيع الأصول في الأسواق الناشئة وتحويل أمواله إلى الدولار، ما يؤدي إلى زيادة الطلب عليه وانخفاض قيمة العملات المحلية. وثانيها ارتفاع تكلفة الواردات النفطية، حيث تتضرر الدول المستوردة للنفط، مثل مصر، نتيجة ارتفاع فاتورة الاستيراد وزيادة الضغط على العملة. أما القناة الثالثة فهي ارتفاع تكلفة التمويل الخارجي، إذ تؤدي الحروب إلى بقاء أسعار الفائدة العالمية مرتفعة لفترة أطول، ما يزيد الضغط على الدول ذات الديون الخارجية المرتفعة.
وأكد أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على الجنيه المصري واستمرار ضعف العملات الهشة، لكن حجم التأثير يعتمد على قوة الاحتياطيات النقدية وسياسات البنوك المركزية.
كيف يتفاعل سوق العملات؟
وأوضح عادل أن هناك نمطًا تاريخيًا واضحًا لتفاعل سوق العملات مع الحروب في مناطق النفط. ففي المرحلة الأولى، وهي مرحلة الصدمة، يرتفع الدولار والذهب والنفط، بينما تنخفض عملات الأسواق الناشئة. ثم تأتي مرحلة إعادة التقييم، حيث يطرح المستثمرون تساؤلات حول مدى اتساع الحرب وتأثيرها على إنتاج النفط والاقتصاد العالمي. أما المرحلة الثالثة فتتحدد وفق مسار الأحداث؛ فإذا بقيت الحرب محدودة تستقر العملات، أما إذا توسعت فتستمر التقلبات.
الملاذات الآمنة وهروب الأموال
وأكد أن المستثمرين سيلجؤون بلا شك إلى الملاذات الآمنة، وأبرزها الدولار الأميركي، والذهب، والفرنك السويسري، والين الياباني، والسندات الأميركية، وهو ما يؤدي عادة إلى ارتفاع الدولار والذهب وضعف العملات عالية المخاطر.
وأشار إلى أن هروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة يُعد من أخطر نتائج الحروب، حيث يقلل المستثمرون تعرضهم لتلك الأسواق وتعود الأموال إلى الولايات المتحدة وأوروبا، ما يؤدي إلى انخفاض العملات المحلية وارتفاع الدولار وزيادة الضغوط التضخمية.
هل تتدخل البنوك المركزية؟
وأوضح وليد عادل أن البنوك المركزية قد تتدخل لدعم عملاتها عبر ثلاث أدوات رئيسية: استخدام الاحتياطيات الدولارية، رفع أسعار الفائدة، أو التدخل المباشر في سوق الصرف. لكنه شدد على أن قدرة كل بنك مركزي تختلف حسب حجم الاحتياطيات المتاحة لديه.
النفط وتأثيره الإقليمي
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط يقوي عملات الدول المصدرة ويضعف عملات الدول المستوردة، ما يعني أن الخليج سيكون مستفيدًا نسبيًا، بينما تواجه دول مثل مصر ضغوطًا أكبر.
السيناريوهات المتوقعة
وأشار إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة خلال الشهرين القادمين. الأول تصعيد محدود، وهو الأكثر احتمالًا، ويتضمن ارتفاعًا معتدلًا في الدولار والنفط وتقلبًا محدودًا في العملات. الثاني تصعيد واسع، يؤدي إلى ارتفاع قوي في الدولار وضعف واضح في عملات الأسواق الناشئة وارتفاع كبير في الذهب والنفط. أما الثالث فهو احتواء سريع للأزمة، ما يحقق استقرارًا للعملات وتراجعًا نسبيًا للدولار وعودة التدفقات للأسواق الناشئة.
أي العملات الأكثر تأثرًا؟
وأوضح أن العملات الأكثر تأثرًا سلبًا ستكون عملات الدول المستوردة للنفط، والدول ذات الديون المرتفعة، والدول ذات الاحتياطيات الضعيفة. بينما سيستفيد الدولار وعملات الدول النفطية والفرنك السويسري.
كيف يحمي الأفراد مدخراتهم؟
واختتم الدكتور وليد عادل تصريحاته بالتأكيد على أهمية تنويع المدخرات بين أكثر من أصل، والاحتفاظ بجزء منها في أصول مرتبطة بالدولار، والاستثمار في الذهب كأداة تحوط، وتجنب المضاربات قصيرة الأجل. وشدد على أن أخطر خطأ هو الاحتفاظ بجميع المدخرات في أصل واحد.
وأكد أن الأزمات الكبرى تعيد ترتيب التحالفات الاقتصادية وأنماط التجارة وتدفقات الاستثمار، وقد تسهم في تعزيز دور بعض العملات الإقليمية أو إضعاف أخرى، مشيرًا إلى أن تطورات المرحلة المقبلة ستحدد شكل الخريطة النقدية العالمية لسنوات قادمة.








