تزايدت الضغوط على الجنيه المصري أمام الدولار، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية وارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الطلب على العملة الصعبة، وهو ما يضع سوق الصرف أمام اختبار جديد.
وفي هذا الشأن، أكد الدكتور حسين العسيلي، الخبير المصرفي، أن التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط وما يرتبط به من تطورات جيوسياسية متسارعة يثير العديد من التساؤلات حول خلفيات بعض القرارات السياسية الكبرى وتوقيتها، مشيراً إلى أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتوجه نحو المواجهة العسكرية إلى جانب إسرائيل ضد إيران قد لا يكون مرتبطاً فقط بالهدف المعلن المتمثل في كبح البرنامج النووي الإيراني، بل ربما ارتبط أيضاً بحسابات سياسية أوسع تتجاوز الاعتبارات الاستراتيجية المباشرة.
وأوضح العسيلي، أن التاريخ السياسي للولايات المتحدة يوضح أن توقيت القرارات الكبرى لا ينفصل غالباً عن السياق الداخلي، حيث تُقرأ الحروب عادة من منظورها الجيوسياسي، لكنها قد تكون أيضاً مرتبطة بحسابات انتخابية وصراعات سياسية داخلية، إضافة إلى محاولات إدارة الصورة أمام الرأي العام، ومع ذلك، يظل الثابت اقتصادياً أن أي تصعيد مباشر بين طهران وتل أبيب، مع انخراط الولايات المتحدة، يعني بالضرورة اضطراباً واسعاً في أسواق الطاقة العالمية وعودة مخاوف التضخم إلى الواجهة.
اقتصادات الدول الناشئة
وأشار الخبير المصرفي إلى أن هذه التطورات تنعكس بشكل واضح على اقتصادات الدول الناشئة، التي تتأثر بدرجة كبيرة بأي اضطرابات في أسواق الطاقة أو حركة التجارة الدولية.
وأضاف أن مصر بحكم موقعها الجغرافي وتشابك اقتصادها مع حركة التجارة والطاقة العالمية، تقف في قلب التأثيرات غير المباشرة لهذا الصراع، خاصة إذا تطورت المواجهة العسكرية إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية.
وأكد أن أي تعطيل لحركة الملاحة في هذا المضيق الحيوي، حتى وإن كان جزئياً، قد يؤدي إلى قفزات حادة في أسعار النفط ويعيد موجات التضخم إلى المشهد الاقتصادي الدولي.
وأضاف العسيلي أن مثل هذه الظروف تضع الجنيه المصري تحت ضغط مزدوج، إذ يرتفع الدولار عالمياً في أوقات الأزمات باعتباره ملاذاً آمناً للمستثمرين، ما يدفع رؤوس الأموال إلى التحول من الأسواق الناشئة نحو الأصول الأكثر أماناً.
وفي الوقت ذاته، ترتفع فاتورة الواردات من الطاقة والسلع الأساسية، وهو ما يزيد الطلب المحلي على العملة الأجنبية ويؤدي إلى اتساع العجز في الميزان التجاري، الأمر الذي يخلق ضغوطاً مباشرة على سعر الصرف.
ارتفاع الدولار أمام الجنيه
وأوضح، أن ارتفاع الدولار أمام الجنيه في مثل هذه الظروف لا يُعد مجرد حركة مضاربية عابرة في الأسواق، بل يعكس اختلالاً مؤقتاً في توازن العرض والطلب على النقد الأجنبي، فكل زيادة في أسعار الطاقة تعني أعباء إضافية على الموازنة العامة للدولة، كما أن كل توتر جيوسياسي يدفع المستثمرين إلى إعادة تموضع أموالهم بعيداً عن الأسواق ذات المخاطر الأعلى.
وأشار العسيلي إلى أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في ظل هذه التطورات يتمثل في: إلى أي مستوى يمكن أن يصل سعر الدولار؟ موضحاً أن تحديد رقم بعينه يظل أمرا صعبا، إذ يعتمد بشكل رئيسي على ثلاثة عوامل أساسية، وهي مدة الحرب، واتساع نطاقها الجغرافي، وقدرة الدولة المصرية على إدارة الصدمة الاقتصادية الناتجة عن هذه التطورات.
وأضاف، أنه إذا كانت المواجهة العسكرية قصيرة ومحدودة، فمن الممكن أن نشهد ارتفاعاً مؤقتاً في سعر الدولار يعقبه تصحيح تدريجي مع عودة الاستقرار إلى الأسواق، أما إذا طال أمد الصراع وارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية، فإن الضغوط على العملة المحلية قد تستمر لفترة أطول، وقد يتخذ مسار الصعود منحنى أكثر امتداداً.
أسعار الطاقة العالمية
وأوضح الخبير المصرفي أنه رغم الارتفاعات الأخيرة في سعر الدولار، فإن العودة إلى مستويات أقل من خمسين جنيها مقابل الدولار تظل ممكنة من الناحية النظرية، لكنها تبقى مشروطة بعدد من العوامل المهمة، من بينها حدوث انفراج سياسي في المنطقة، واستقرار أسعار الطاقة العالمية، وعودة التدفقات الاستثمارية الأجنبية، إلى جانب تحسن إيرادات السياحة وقناة السويس، كما أشار إلى أهمية الاستمرار في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية وزيادة الإنتاج المحلي القادر على إحلال الواردات وتعزيز الصادرات.
وتطرق العسيلي أيضاً إلى تأثيرات الحرب على قناة السويس، موضحاً أن هذه التأثيرات قد تكون معقدة ومتشابكة. ففي حال إغلاق مضيق هرمز قد يعاد تشكيل خريطة الشحن العالمية، وقد تتغير مسارات السفن وفقاً لمستويات المخاطر وتكاليف التأمين البحري.
ورغم أن قناة السويس تمثل شرياناً استراتيجياً للتجارة العالمية لا غنى عنه، فإن اضطراب حركة التجارة الدولية بشكل عام قد ينعكس على أحجام العبور عبر القناة، سواء بزيادتها في بعض الحالات أو بتراجعها في حالات أخرى نتيجة تباطؤ التجارة العالمية.
واختتم الدكتور حسين العسيلي تصريحاته بالتأكيد على أن حماية الجنيه المصري في ظل هذه الظروف لا يمكن أن تتحقق عبر ردود فعل قصيرة الأجل أو إجراءات آنية فقط، بل تتطلب سياسة اقتصادية منضبطة تقوم على تعظيم موارد النقد الأجنبي، وتسريع جهود توطين الصناعة، وترشيد الواردات غير الضرورية، إلى جانب الحفاظ على مرونة سعر الصرف دون السماح بحدوث مضاربات غير منضبطة في السوق، منوها أن الأزمات والحروب قد تندلع بشكل مفاجئ، لكن قوة الاقتصادات الحقيقية تُبنى بهدوء وعلى المدى الطويل، وأن الدول التي تركز على دعم الإنتاج الحقيقي وتعزيز قدراتها الاقتصادية تكون الأكثر قدرة على تجاوز الأزمات بأقل قدر من الخسائر.


