مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، يمر الاقتصاد العالمي بمرحلة من عدم اليقين المتزايد، ولم تعد تداعيات الصراع تقتصر على نطاقه الجغرافي المباشر، بل امتدت لتثير مخاوف متزايدة بشأن أمن الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد العالمية، ما يهدد موازنات الدول وخاصة الناشئة.
وفي هذا الإطار قال الدكتور محمد عبد الهادي الخبير الاقتصادي، إن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يفرض تداعيات اقتصادية واسعة النطاق لا تقتصر على منطقة الشرق الأوسط، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي والأسواق المالية الدولية.
وأشار الخبير في تصريحات خاصة لـ”مصر24 نيوز”، إلى أن مثل هذه التطورات تنعكس بشكل مباشر على الموازنات العامة للدول، خاصة في الاقتصادات الناشئة التي تتأثر بدرجة أكبر بتحركات أسعار الطاقة وتقلبات أسعار الصرف.
آليات التعامل مع التحديات الاقتصادية الراهنة
وفيما يتعلق بآليات التعامل مع التحديات الاقتصادية الراهنة، أكد الخبير الاقتصادي أن التحوط عبر عقود المشتقات المرتبطة بأسعار النفط ومصادر الطاقة المختلفة يعد من أهم الأدوات التي يمكن استخدامها للحد من التقلبات الحادة في أسعار الطاقة.
وأوضح أن هذه الأدوات تساعد الحكومات والمؤسسات الاقتصادية على تقليل المخاطر المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة، خاصة أن أسعار الكهرباء والطاقة في العديد من الدول تعتمد بشكل كبير على أسعار البترول.
وأشار عبد الهادي إلى أن تقلبات سعر الصرف تمثل تحديا إضافيا في ظل هذه الظروف، مؤكدًا أن إدارة سعر الصرف تتطلب درجة عالية من المرونة حتى تتمكن الاقتصادات من امتصاص الصدمات الخارجية والتعامل مع التحركات السريعة في الأسواق العالمية.
وأضاف أن أحد الجوانب المهمة في مواجهة هذه التطورات يتمثل في الحفاظ على أولويات الإنفاق داخل الموازنة العامة، خاصة مع دخول الحكومات مرحلة إعداد موازناتها للعام المالي الجديد.
ولفت إلى أن هذه المرحلة تتطلب إدارة دقيقة للموارد المالية وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات الأكثر أهمية مثل التعليم والصحة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تحقيق التوازن المالي.
وفيما يتعلق بالوضع في مصر، أوضح عبد الهادي أن الموازنة العامة تستهدف خفض دين أجهزة الموازنة إلى نحو 75.5% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب تقليص العجز إلى نحو 4.9%، وهي أهداف تتطلب استمرار الالتزام بسياسات الضبط المالي رغم التحديات الاقتصادية العالمية.
وأشار إلى أن إعداد الموازنة الحالية تم على أساس متوسط سعر للنفط يبلغ نحو 75 دولارًا للبرميل، في حين أن متوسط الأسعار خلال الأشهر الماضية ظل أقل من 70 دولارًا للبرميل، وهو ما وفر قدرًا من المساحة المالية المؤقتة. إلا أنه حذر من أن تفاقم التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار السلع عالميًا قد يؤديان إلى عودة الضغوط على فاتورة الطاقة والواردات، إضافة إلى زيادة تكلفة خدمة الدين.
مسار الأسعار العالمية
وأكد عبد الهادي أن هذه التطورات قد تشكل تحديًا حقيقيًا أمام تحقيق مستهدفات الضبط المالي، حيث يتعين على الحكومات تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على استقرار المؤشرات المالية من جهة، والحد من انتقال الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار إلى المواطنين من جهة أخرى.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن مسار الأسعار العالمية خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الاقتصاد العالمي على احتواء الصدمات الخارجية، إلى جانب تطورات الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة واستمرار التوترات الإقليمية.
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا، إلى جانب صعود الدولار نتيجة خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من الأسواق الناشئة، قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على تكلفة الواردات وارتفاع الأسعار في العديد من الدول.
واختتم الدكتور محمد عبد الهادي تصريحاته بالتأكيد على أن الموازنات العامة قد تجد نفسها أمام اختبار جديد في ظل هذه التطورات، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب إعداد موازنات أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الصدمات الخارجية، بما يسمح بالاستجابة للتغيرات الاقتصادية العالمية دون الإخلال بأهداف الاستقرار المالي.








