قال الدكتور أيمن عبد المقصود، الخبير الاقتصادي، إن قرار الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية بالسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية للنفط يعكس حجم القلق العالمي من تداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، خاصة في ظل استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما نتج عنها من توترات متصاعدة في منطقة الخليج العربي.
وأوضح عبد المقصود في تصريحات خاصة لـ”مصر24 نيوز”، أن الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، وعددها 32 دولة، وافقت بالإجماع يوم الأربعاء 11 مارس على الإفراج عن 400 مليون برميل من احتياطيات النفط الاستراتيجية، وهو القرار الأكبر من نوعه منذ تأسيس الوكالة عام 1974.
احتواء الاضطرابات الكبيرة
وجاء القرار استجابة لتوصية الوكالة التي تتخذ من باريس مقرًا لها، وذلك بهدف احتواء الاضطرابات الكبيرة في أسواق الطاقة العالمية.
وأشار إلى أن هذه الخطوة جاءت في ظل استمرار المواجهات العسكرية والهجمات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة، والتي تسببت في إغلاق فعلي لمضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو 20 ٪ من الاستهلاك العالمي من النفط الخام ومشتقاته يوميا.
وأضاف أن هذا الإغلاق أدى إلى قفزة حادة في أسعار النفط، إذ ارتفع خام برنت يوم الاثنين إلى أعلى مستوياته منذ أربع سنوات، مقترب من 120 دولارًا للبرميل، وهو مستوى لم تشهده الأسواق منذ أزمة الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، إلا أن الأسعار تراجعت لاحقا بعد بدء مناقشات مجموعة السبع حول الإفراج عن الاحتياطيات النفطية، ثم إعلان وكالة الطاقة الدولية توصيتها بالسحب من المخزون الاستراتيجي.
وأكد عبد المقصود أن الأسواق شهدت تقلبات حادة للغاية؛ فبعد الارتفاع الكبير في الأسعار، سجل النفط يوم الثلاثاء أكبر هبوط له خلال أربع سنوات ليتداول دون 90 دولار للبرميل، قبل أن يعاود التعافي يوم الأربعاء ويغلق خام برنت قرب مستوى 92 دولار للبرميل، وأرجع هذه التقلبات إلى حالة الضبابية والتصريحات المتناقضة الصادرة عن الإدارة الأمريكية بشأن مسار الحرب.
وأوضح أن الرئيس الأمريكي صرح في البداية بأن الحرب تقترب من نهايتها، ثم عاد وأشار إلى احتمال تصعيد العمليات العسكرية ضد إيران. كما تحدثت تقارير استخباراتية عن قيام إيران بزرع ألغام بحرية في مضيق هرمز، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي إلى التهديد بعواقب عسكرية غير مسبوقة إذا تم تنفيذ هذه الخطوة.
وأشار إلى أن التقارير أفادت أيضا بتدمير سفن إيرانية كانت تقوم بزرع ألغام في المضيق، وهو ما يزيد من احتمالات تعطل إمدادات الطاقة لفترة طويلة، خاصة مع اضطرار عدد من المنتجين في المنطقة مثل العراق والكويت والإمارات والسعودية إلى خفض إنتاجهم نتيجة محدودية الطاقة التخزينية، وهو ما يعني تراجع المعروض العالمي من النفط بنسبة تتجاوز 6%.
وأضاف أن المشهد ازداد تعقيدا بعد تصريحات وزير الطاقة الأمريكي الذي قال إن البحرية الأمريكية رافقت ناقلة نفط عبر المضيق، قبل أن يتم حذف التصريح لاحقًا، ثم يصدر توضيح من البيت الأبيض ينفي حدوث ذلك.
وأوضح عبد المقصود أن السبب في ذلك هو أن السفن الحربية الأمريكية قد تصبح هدفا سهلً للحرس الثوري الإيراني الذي يعتمد على الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة لتهديد الملاحة البحرية، وهو ما يمنح إيران ورقة ضغط قوية على الولايات المتحدة من خلال التأثير في أسعار النفط عالميًا.
هل تكفي 400 مليون برميل لاحتواء الأزمة؟
وقال عبد المقصود إن السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت 400 مليون برميل من النفط كافية لتعويض النقص في الإمدادات العالمية، وأكد أن الإجابة ببساطة هي لا.
وأوضح أن تقديرات مؤسسات مالية مثل بنك سيتي جروب تشير إلى أن حجم التعطل في الإمدادات نتيجة إغلاق المضيق يتراوح بين 11 و16 مليون برميل يوميا، وهو ما يفوق بكثير القدرة الفعلية للسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية.
وأشار إلى أن الكمية المعلنة، رغم كونها الأكبر في التاريخ، فإنها لا تكفي لتعويض هذا النقص لفترة طويلة. فحتى في حالة السحب بأقصى طاقة ممكنة من الاحتياطي الأمريكي والتي تبلغ نحو 4.4 مليون برميل يوميل فإن هذه الكميات لن تعوض الفجوة الكبيرة في المعروض.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة تمتلك نحو 415 مليون برميل في الاحتياطي الاستراتيجي المخزن في كهوف ضخمة تحت الأرض على ساحل خليج المكسيك، بطاقة تخزينية تتجاوز 700 مليون برميل، أي أن المخزون الحالي يمثل نحو 60% من الطاقة الاستيعابية بعد السحب الكبير الذي تم في عام 2022 عقب الحرب الروسية الأوكرانية.
كما أوضح أن إجمالي الاحتياطيات الاستراتيجية لدى الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية يبلغ نحو 1.2 مليار برميل، إضافة إلى حوالي 600 مليون برميل من مخزونات الشركات النفطية التي يمكن للحكومات استخدامها في حالات الطوارئ.
وأشار إلى أن الكمية المعلنة تعادل تقريبا ثلاثة أسابيع فقط من النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز، وهو ما يعني أنه في حال استمرار الأزمة لفترة أطول فإن هذه الاحتياطيات لن تكون كافية لتغطية النقص في الإمدادات.
تداعيات الأزمة على أسعار البنزين في الولايات المتحدة
وأوضح عبد المقصود أن الأزمة بدأت بالفعل تنعكس على الاقتصاد الأمريكي، حيث ارتفعت أسعار البنزين إلى 3.58 دولار للجالون، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2024 وأعلى مستوى يُسجل خلال فترات حكم الرئيس الأمريكي الحالية والسابقة.
وأشار إلى أن جميع الولايات الأمريكية أصبح سعر البنزين فيها لا يقل عن 3 دولارات للجالون، بينما تجاوز السعر 4 دولارات في بعض الولايات، ووصل في ولاية كاليفورنيا إلى 5.33 دولار نتيجة الضرائب المرتفعة والمعايير البيئية الصارمة.
وأكد أن استمرار ارتفاع أسعار الوقود سيؤدي إلى ضغوط تضخمية متزايدة، وقد ينعكس سياسيا على الإدارة الأمريكية، خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، حيث من المرجح أن يركز الحزب الديمقراطي على قضية ارتفاع تكاليف المعيشة.








