أكد الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، أن منطقة الشرق الأوسط تمر حاليًا بمرحلة بالغة الحساسية، في ظل تصاعد حدة التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، مشيرًا إلى أن المشهد الراهن لم يعد يقتصر على تبادل الرسائل السياسية أو العسكرية، بل يقترب من احتمالية مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم موازين القوى في الإقليم بشكل كامل.
وأوضح العسيلي في تصريحات خاصة لـ”مصر24 نيوز” أن تداخل الحسابات العسكرية مع الرهانات السياسية خلق حالة من الغموض والارتباك، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة التصعيد وحدوده، وإلى أي مدى يمكن احتواء هذا التوتر قبل أن ينفلت إلى صراع واسع النطاق.
وفيما يتعلق بالتصريحات الأمريكية، أشار إلى أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجود ما وصفه بـ”موافقة إيرانية ضمنية” على عدم السعي لامتلاك سلاح نووي، قد يكون محاولة لتهيئة المناخ السياسي لتسوية وفق شروط أمريكية، إلا أن الرد الإيراني السريع بالنفي القاطع يعكس تمسك طهران بموقفها ورفضها الضغوط السياسية والإعلامية.
وأضاف أن قرار ترامب بتأجيل الضربة العسكرية لا يمكن اعتباره خطوة عابرة، بل يحمل دلالات متعددة، قد تشير إلى إتاحة فرصة أخيرة للحل السياسي، أو في المقابل قد تكون فترة لإعادة ترتيب الاستعدادات العسكرية.
كما لفت إلى أن عدم الدفع نحو استهداف المنشآت النووية الإيرانية، وطلب واشنطن من إسرائيل تجنب ضرب تلك المواقع الحساسة، يعكس رغبة واضحة في احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة يصعب السيطرة عليها.
وأشار العسيلي إلى أن دعوة ترامب لتشكيل قيادة مشتركة للحرب على إيران تكشف عن توجه نحو بناء تحالف عسكري أوسع، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع وزيادة تعقيداته، بما يجعل التحكم في مساراته أكثر صعوبة.
منظومة تصدير النفط الإيراني
وعلى الصعيد الجغرافي، أوضح أن جزيرة “خارج ” تمثل نقطة استراتيجية محورية في منظومة تصدير النفط الإيراني، وأن أي محاولة للسيطرة عليها ستشكل ضغطًا اقتصاديًا مباشرًا على طهران، إلا أن استهدافها قد يفتح الباب أمام تصعيد بحري خطير في الخليج، ويهدد استقرار إمدادات الطاقة العالمية.
وفي تقييمه لاحتمالات الحسم، أكد العسيلي أن سيناريو استسلام إيران لا يبدو واقعيًا في الوقت الراهن، نظرًا لطبيعة النظام الإيراني وقدرته على الصمود، بالإضافة إلى امتلاكه أدوات نفوذ إقليمية متعددة، وهو ما يرجح امتداد الصراع في شكل حرب استنزاف طويلة الأمد.
وحول الدور المصري، أوضح أن مصر تتبنى موقفًا سياسيًا متوازنًا قائمًا على تجنب التصعيد والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، مع حماية مصالحها الاستراتيجية، مشيرًا إلى أن الدور المصري سيظل في إطار الجهود الدبلوماسية، مع استبعاد أي تدخل عسكري مباشر إلا في حال تعرض الأمن القومي لتهديد واضح، خاصة فيما يتعلق بحركة الملاحة أو استقرار المنطقة المحيطة.
أما على الصعيد الاقتصادي، شدد العسيلي على أن التطورات الحالية تحمل تداعيات عميقة، خاصة في ظل حساسية أسواق الطاقة لأي توترات في منطقة الخليج، موضحًا أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر برميل النفط قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم العالمية بنسبة تتراوح بين 0.3% و0.5%، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على السياسات النقدية العالمية ويؤخر خفض أسعار الفائدة.
تأثر الاقتصاد المصري
وفيما يتعلق بالاقتصاد المصري، أشار إلى أن التأثير سيكون أكثر حدة، حيث قد يؤدي ارتفاع أسعار النفط بنفس القيمة إلى زيادة أعباء الموازنة العامة بنحو يتراوح بين 35 إلى 45 مليار جنيه سنويًا، نتيجة ارتفاع تكلفة دعم المواد البترولية والنقل، كما توقع ارتفاع معدل التضخم المحلي بما لا يقل عن 1% إلى 1.5% نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج والنقل.
وأضاف أن قناة السويس تُعد من أكثر القطاعات عرضة للتأثر، إذ قد يؤدي تصاعد المخاطر في البحر الأحمر أو الخليج إلى تراجع حركة السفن، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الإيرادات التي تجاوزت 9 مليارات دولار سنويًا في الفترات الأخيرة.
في المقابل، أشار إلى احتمال استفادة جزئية من زيادة تحويلات المصريين العاملين في الدول النفطية، حال تحسن إيرادات تلك الدول، إلا أن هذه المكاسب تظل غير مؤكدة في حال اتساع رقعة الصراع.
وأكد العسيلي أن الاقتصاد المصري يواجه في هذا السياق تحديًا مركبًا يتمثل في احتواء الضغوط التضخمية، والحفاظ على استقرار سعر الصرف، وتأمين مصادر النقد الأجنبي، وهو ما يتطلب تبني سياسات مالية ونقدية تتسم بدرجة عالية من الانضباط والمرونة في الوقت نفسه.
واختتم الدكتور حسين العسيلي تصريحاته بالتأكيد على أنه رغم خطورة المشهد الحالي، لا تزال هناك فرصة لاحتواء الأزمة، حيث تدرك جميع الأطراف أن كلفة الحرب الشاملة ستكون باهظة للغاية، مشيرًا إلى أن التصعيد الجاري قد يكون أداة ضغط لفرض شروط تفاوضية جديدة، وليس بالضرورة مقدمة لصدام شامل، معربًا عن أمله في أن تنتصر حسابات العقل قبل أن تنزلق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة غير محسوبة العواقب.


