أكدت المنظمة العربية للسياحة أن قطاع السياحة العربي، رغم التحديات الراهنة، يمتلك قدرة كامنة على التعافي السريع فور انتهاء الأزمة الجيوسياسية الحالية، مشيرة إلى أن تداعيات التصعيد الأمريكي–الإيراني ألقت بظلال ثقيلة على قطاعات حيوية، في مقدمتها السياحة وأنظمة الدفع الإلكتروني.
وصرح الدكتور بندر بن فهد آل فهيد، رئيس المنظمة العربية للسياحة، أن التقرير التحليلي الصادر بالتعاون مع الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري واتحاد المصارف العربية، كشف عن تعرض المنطقة لواحدة من أقوى الصدمات الاقتصادية منذ جائحة كوفيد-19، نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية وتأثيرها المباشر على حركة السفر الدولية وأنماط الإنفاق.
ضغوطًا غير مسبوقة
وأوضح التقرير أن قطاع السياحة، باعتباره أحد أهم ركائز النمو الاقتصادي في الدول العربية، يواجه ضغوطًا غير مسبوقة، مع توقعات بتراجع أعداد السياح الدوليين بنسبة تتراوح بين 11% و27% خلال عام 2026، بما يعادل فقدان ما بين 23 إلى 38 مليون سائح، وخسائر مالية تُقدّر بنحو 34 إلى 56 مليار دولار.
وأشار إلى أن الخسائر اليومية في القطاع تصل إلى نحو 680 مليون دولار، مع إلغاء أكثر من 8100 رحلة جوية خلال شهر واحد، وارتفاع معدلات إلغاء الحجوزات الفندقية إلى 85% في بعض الوجهات، إلى جانب تراجع سياحة الأعمال والمؤتمرات بنسبة تصل إلى 70%.
كما أدى إغلاق بعض المجالات الجوية وتحويل مسارات الطيران إلى ارتفاع تكاليف السفر بشكل كبير، وصل في بعض الخطوط الدولية إلى 560%، ما أسهم في تراجع الإقبال السياحي على المنطقة. وأسفر التصعيد في منطقة الخليج العربي عن تعطيل أحد أهم ممرات الطيران العالمية، التي تمثل ما بين 10% و14% من حركة الطيران الدولي، وهو ما تسبب في اضطراب حركة ملايين المسافرين، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وإرباك سلاسل الإمداد العالمية.
وكشف التقرير عن تفاوت تأثير الأزمة بين الدول العربية، حيث كانت دول الخليج الأكثر تأثرًا بحكم قربها من بؤرة الأحداث واعتمادها الكبير على حركة الترانزيت، فيما شهدت مصر تباطؤًا ملحوظًا في الحجوزات الدولية رغم مؤشرات النمو السابقة، بينما تأثرت الأردن ولبنان بشكل كبير نتيجة ارتباطهما المباشر بالاستقرار الإقليمي.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى قطاع الدفع الإلكتروني، حيث سجلت المعاملات الدولية عبر بطاقات الائتمان تراجعًا يتراوح بين 40% و65%، مقابل نمو في المعاملات المحلية والرقمية بنسبة تتراوح بين 20% و35%. كما تراجع استخدام بطاقات الدفع في السفر والتجارة الخارجية، في مقابل نمو ملحوظ في التجارة الإلكترونية والدفع المحلي، بما يعكس تحولًا هيكليًا في سلوك المستهلكين نتيجة القيود المالية وتراجع الثقة في الأنظمة المالية العالمية
حملات ترويجية
وأكدت المنظمة وجود ترابط وثيق بين السياحة وعدد من القطاعات الحيوية، أبرزها الأمن والطاقة والاقتصاد العالمي، حيث يتأثر النشاط السياحي بشكل مباشر بالاستقرار السياسي، كما يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكاليف السفر وتراجع الطلب، فيما يعكس انكماش السياحة ضعف الثقة الاستثمارية عالميًا.
وطرح التقرير ثلاثة سيناريوهات لمستقبل السياحة في المنطقة، تشمل تعافيًا سريعًا في حال التوصل إلى تهدئة قريبة، وتعافيًا تدريجيًا مع استمرار التوتر لفترة محدودة، إلى جانب سيناريو متشائم يتمثل في انكماش ممتد حال تصاعد النزاع
وفي ختام التقرير، دعت المنظمة العربية للسياحة إلى تبني استراتيجية “المرونة الاستباقية” لتعزيز قدرة القطاع على الصمود، من خلال تنويع الأسواق السياحية، وتعزيز السياحة الداخلية والإقليمية، ودعم التحول الرقمي، وتطوير أنظمة الدفع المحلية، إلى جانب إطلاق حملات ترويجية لاستعادة ثقة الأسواق الدولية.
وشددت المنظمة على أنه رغم حجم الخسائر والتحديات، فإن قطاع السياحة العربي يمتلك مقومات قوية للتعافي، مدعومًا بالبنية التحتية المتطورة والاستثمارات الضخمة، مؤكدة أن وتيرة التعافي ستظل مرهونة باستقرار الأوضاع الجيوسياسية وكفاءة إدارة الأزمة على مستوى الحكومات


