اتخذت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة قرارها بتثبيت الفائدة رغم وجود انقسام ملحوظ بين أعضائها، حيث عارض أربعة أعضاء القرار، في أعلى نسبة اعتراض منذ عام 1992، ما يعكس تباينًا واضحًا في وجهات النظر حول المسار الأمثل للسياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
يشير هذا الانقسام إلى تصاعد القلق بشأن الضغوط التضخمية المحتملة، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، مقابل مخاوف متزايدة من تباطؤ النمو الاقتصادي.
ويؤكد هذا المشهد أن الاحتياطي الفيدرالي يفضل التريث في اتخاذ قرارات جديدة، مع مراقبة تطورات الأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية عن كثب، قبل الإقدام على أي خطوات سواء برفع أو خفض أسعار الفائدة، في ظل تعقيد التوازن بين كبح التضخم ودعم النمو.
قراءة مستقبلية لمسار الاقتصاد الأمريكي
وفي تعليقه على القرار، أوضح محمد محمود، الخبير الاقتصادي، أن تثبيت أسعار الفائدة لا يمكن اعتباره إجراءً تقليديًا، بل يعكس قراءة مستقبلية لمسار الاقتصاد الأمريكي، مشيرًا إلى أن القرار يحمل دلالات مهمة بشأن توجهات الفيدرالي خلال الفترة المقبلة، سواء نحو تشديد نقدي محتمل أو استمرار سياسة الترقب لمواجهة الضغوط التضخمية.
وأشار في تصريحات خاصة لـ”مصر24 نيوز”، إلى أن التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها التصعيد العسكري في المنطقة، لعبت دورًا رئيسيًا في تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي، حيث أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم نتيجة زيادة تكاليف الشحن واضطراب سلاسل الإمداد، فضلًا عن القفزات الكبيرة في أسعار الطاقة والنفط. وقد ساهمت هذه العوامل مجتمعة في خلق موجة تضخمية واضحة امتدت إلى مختلف اقتصادات العالم، ما يضع البنوك المركزية أمام تحدٍ معقد في إدارة سياستها النقدية.
مواجهة التضخم
وأضاف أن القاعدة الاقتصادية التقليدية تشير إلى أن مواجهة التضخم تتطلب رفع أسعار الفائدة، إلا أن تباطؤ النمو يفرض في المقابل قيودًا على هذا التوجه، وهو ما يفسر حالة التردد الحالية لدى الفيدرالي. كما أكد أن أي قرار يصدر عن الاحتياطي الفيدرالي ينعكس بشكل مباشر على بقية البنوك المركزية عالميًا، نظرًا للدور المحوري للدولار في النظام المالي العالمي.
وفيما يتعلق بسوق الذهب، أوضح أن العلاقة التقليدية بين أسعار الفائدة وأسعار الذهب لا تزال قائمة، حيث يؤدي ارتفاع الفائدة عادة إلى تراجع الذهب نتيجة ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة، في حين يدعم خفض الفائدة ارتفاعه. وأشار إلى أن قرار تثبيت الفائدة قد يمنح الذهب حالة من الاستقرار النسبي، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
كما لفت إلى أن تثبيت أسعار الفائدة قد يحمل بعض الإيجابيات، وإن كانت محدودة، إذ يسهم في تقليل الضغوط على الدولار الأمريكي ويمنع ارتفاعه بشكل حاد، وهو ما قد ينعكس على حركة رؤوس الأموال عالميًا، لا سيما في الأسواق الناشئة.
وأوضح أن هذا الوضع قد يساهم في الحد من خروج ما يُعرف بـ”الأموال الساخنة” من تلك الأسواق، وربما يدعم استمرارها بشكل مؤقت، إلا أنه حذر من الاعتماد عليها، مؤكدًا أنها تمثل استثمارات قصيرة الأجل تستهدف تحقيق أرباح سريعة من فروق أسعار الفائدة أو تحركات الأسواق، ما يجعلها شديدة التقلب وسريعة الانسحاب عند أول مؤشرات للمخاطر.
وأكد أن الاعتماد على هذه التدفقات في دعم الاقتصاد يُعد توجهًا غير مستدام، حيث لا تسهم في خلق قيمة حقيقية أو فرص عمل، بل تعمل كحلول مؤقتة لا تعالج جذور التحديات الاقتصادية. وشدد على أهمية التركيز على جذب الاستثمارات المباشرة طويلة الأجل، لما لها من دور في دعم الإنتاج وتعزيز الصادرات وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
واختتم محمد محمود تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتطلب قراءة دقيقة ومستمرة للتطورات العالمية، في ظل التداخل الواضح بين العوامل السياسية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن قرارات السياسة النقدية ستظل مرتبطة بشكل وثيق بمسار التوترات الجيوسياسية، وهو ما يفرض حالة من الحذر والترقب على أداء الأسواق خلال الفترة المقبلة.








