قال الدكتور عمرو إبراهيم، الخبير الاقتصادي، إن كثيرين توقعوا في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن تكون الصين من أكثر الدول تضررا، باعتبارها أكبر مستورد للنفط في العالم، وبسبب اعتمادها الكبير على استقرار إمدادات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، إلا أن مسار الأحداث أظهر أن بكين تعاملت مع الأزمة بقدر كبير من المرونة، واستطاعت حتى الآن امتصاص الصدمة بصورة أفضل من دول كثيرة.
تجنب المخاطر غير الضرورية
وأوضح، أن الصين استفادت من نهج الرئيس شي جين بينغ القائم على تجنب المخاطر غير الضرورية وعدم الانخراط المباشر في صراعات مكلفة، حيث إن بكين لم تقدم دعما مباشرا لروسيا في حرب أوكرانيا، ولم تصطف علنا مع إيران ضد واشنطن، بل فضلت الحفاظ على موقعها كقوة كبرى مستقرة تتحرك بحذر وتراهن على المكاسب طويلة الأجل بدل الاندفاع وراء مواقف عسكرية أو سياسية حادة.
وأضاف، أن استمرار التحضيرات لزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين، رغم التصعيد في الشرق الأوسط، يكشف أن الصين والولايات المتحدة لا ترغبان في تحويل الأزمة الإيرانية إلى سبب مباشر لتفجير العلاقات الثنائية. فبكين تحاول الحفاظ على علاقاتها مع طهران، لكنها في الوقت نفسه لا تريد مواجهة مفتوحة مع واشنطن.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الصين أصبحت اليوم في وضع أقوى على مستوى الطاقة مقارنة بالسنوات الماضية، بفضل مخزونات النفط الكبيرة، والطاقة التكريرية الواسعة، وزيادة إنتاج الغاز المحلي، فضلًا عن واردات الغاز عبر خطوط الأنابيب، وهو ما قلل اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال القادم من الشرق الأوسط، وإذا طال أمد الحرب، فإن بكين تمتلك بدائل أخرى، منها زيادة الواردات من روسيا، والاعتماد على الفحم، والتوسع في الطاقة الشمسية والرياح.
وأكد إبراهيم أن الصين لم تكتف بتقليل الخسائر، بل حولت الأزمة إلى فرصة في بعض القطاعات، فارتفاع أسعار النفط واضطراب الشحن عبر مضيق هرمز وزيادة تكلفة التأمين البحري كلها عوامل قد تدفع العالم لتسريع التحول نحو الكهرباء والطاقة النظيفة، وهو ما يخدم الصين باعتبارها لاعبًا رئيسيًا في إنتاج البطاريات، والمركبات الكهربائية، ومكونات الطاقة الشمسية، وسلاسل التكنولوجيا الخضراء.
تكلفة الحرب على الولايات المتحدة
وعلى المستوى الاستراتيجي، قال إن الحرب تفرض تكلفة واضحة على الولايات المتحدة، حيث تستنزف مخزوناتها من الصواريخ بعيدة المدى والصواريخ الاعتراضية، وتدفعها إلى إعادة توزيع أصولها العسكرية بعيدًا عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهي المنطقة التي تمثل أولوية كبرى للصين، كما أن سحب بعض القدرات الدفاعية الأمريكية من آسيا أو تقليل إتاحتها للحلفاء قد يدفع دولًا مثل كوريا الجنوبية واليابان إلى إعادة تقييم مدى صلابة الالتزامات الأمنية الأمريكية.
وأضاف، أن الولايات المتحدة لا تزال تعتمد على الصين في المعادن الحرجة اللازمة لصناعة الأسلحة والذخائر، ما يمنح بكين ورقة قوة مهمة حيث إن تقليل هذا الاعتماد لن يحدث خلال سنوات قليلة، بل قد يحتاج إلى فترة طويلة، وهو ما يضع واشنطن في موقف تفاوضي أقل قوة مما تبدو عليه.
وأوضح الدكتور عمرو إبراهيم، أن الحرب تمثل أيضا فرصة تعليمية للمخططين العسكريين الصينيين، إذ تراقب بكين كيفية استخدام واشنطن لقوتها الجوية والبحرية، وكيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في المعارك، إضافة إلى دراسة تكتيكات إيران في استخدام الطائرات المسيّرة وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وقد تكون لهذه الدروس أهمية خاصة في أي سيناريو مستقبلي يتعلق بتايوان.
لكنه شدد على أن الصين لا تبدو راغبة في استغلال انشغال واشنطن عسكريا، لأن القيادة الصينية ما زالت تفضل إعادة التوحيد السلمي مع تايوان، مع إبقاء القوة كخيار أخير، كما أن الجيش الصيني لم يخض حربًا فعلية منذ عقود، وحملات التطهير داخله تشير إلى إدراك القيادة أن المؤسسة العسكرية ليست جاهزة بالضرورة لمواجهة كبرى.
واختتم إبراهيم تصريحاته بالتأكيد على أن الصين قد تكون رابحا نسبيا من الأزمة، لكنها ليست في مأمن كامل، فإذا طال أمد الحرب، أو تضررت بنية الطاقة في الخليج، أو تباطأ الطلب في آسيا وأوروبا، فقد تنقلب بعض المكاسب إلى أعباء، لذلك، فإن ما يحدث لا يمكن وصفه بانتصار صيني كامل، بل هو مكسب مشروط ناتج عن إدارة حذرة لأزمة خطيرة.








