شهد قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة في مصر خلال أسبوع واحد تحركات مكثفة على الصعيدين الإقليمي والدولي، عكست بوضوح توجه الدولة نحو ترسيخ دورها كمحور رئيسي لتبادل الطاقة في أفريقيا، وتعزيز التكامل الكهربائي مع دول القارة، في إطار استراتيجية تعتمد على الشراكة، وتوسيع الربط الكهربائي، واستغلال الموارد الطبيعية الضخمة التي تمتلكها القارة.
وجاءت أبرز ملامح هذا الأسبوع من خلال مشاركة مصر في أعمال مجلس وزراء تجمع الطاقة لشرق أفريقيا (EAPP)، إلى جانب نشاط دبلوماسي فني مع عدد من الدول الأفريقية، في مقدمتها رواندا، بما يعكس رؤية متكاملة تستهدف بناء سوق كهرباء إقليمية قادرة على دعم التنمية وتحقيق أمن الطاقة.
مصر على رأس قيادة التكامل الكهربائي في شرق أفريقيا
أكد الدكتور محمود عصمت وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، خلال مشاركته في أعمال تجمع الطاقة لشرق أفريقيا، أن مصر تضع التعاون الإقليمي في قطاع الطاقة على رأس أولوياتها الاستراتيجية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن مستقبل الطاقة في القارة لا يمكن أن يُبنى بشكل منفرد، بل عبر تكامل حقيقي بين الدول.
وأوضح الوزير أن مصر تمتلك خبرات فنية متقدمة وبنية تحتية قوية في قطاع الكهرباء، تؤهلها للقيام بدور محوري في دعم مشروعات الربط الكهربائي الإقليمي، وتبادل الطاقة بين الدول الأعضاء، بما يسهم في تحقيق الاستقرار لشبكات الكهرباء في أفريقيا، وتقليل الفاقد، ورفع كفاءة التشغيل.
وخلال هذه الفترة، تم الإعلان عن اختيار مصر دولة مقر دائم لمشغل سوق الكهرباء لدول شرق أفريقيا، في خطوة وُصفت بأنها تحول استراتيجي مهم في مسار إنشاء سوق إقليمية منظمة للكهرباء، تعتمد على الشفافية والتكامل بين الدول، وتتيح تبادل الطاقة وفق آليات تجارية حديثة.
هذا القرار يعكس ثقة دول التجمع في القدرات المصرية، ليس فقط على مستوى البنية التحتية، ولكن أيضًا على مستوى الإدارة والتنظيم والتشغيل، وهو ما يجعل مصر لاعبًا رئيسيًا في مستقبل سوق الطاقة بالقارة.
رؤية استراتيجية لتوسيع سوق الكهرباء الإقليمي
في سياق متصل، شدد وزير الكهرباء على أن المرحلة الحالية تتطلب الإسراع في بناء سوق إقليمية فعالة للكهرباء داخل أفريقيا، تقوم على توحيد الأطر التنظيمية، وتطوير القواعد التشريعية، وتحفيز مشاركة القطاع الخاص، بما يضمن جذب استثمارات نوعية في قطاع الطاقة.
وأشار إلى أن التكامل الكهربائي لم يعد مجرد خيار تنموي، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية، خاصة في ظل التفاوت الكبير بين الدول الأفريقية في إنتاج واستهلاك الطاقة، ما يجعل الربط الكهربائي أداة فعالة لتحقيق التوازن الإقليمي.
كما أوضح أن مصر تعمل على دعم إنشاء منظومة كهرباء إقليمية متكاملة، تستند إلى أسس واضحة من العدالة والتنافسية، بما يتيح للدول الأعضاء الاستفادة من الفائض في إنتاج الكهرباء، خاصة من مصادر الطاقة المتجددة.
أفريقيا.. كنز الطاقة المتجددة غير المستغل
وخلال هذا الأسبوع، سلطت مصر الضوء على الإمكانات الهائلة التي تمتلكها القارة الأفريقية في مجال الطاقة، حيث تمتلك نحو 60% من أفضل موارد الطاقة الشمسية عالميًا، إلى جانب إمكانيات كبيرة في طاقة الرياح، خاصة في مناطق شمال وشرق القارة.
وأكد وزير الكهرباء أن هذه الموارد تمثل فرصة تاريخية لتحويل أفريقيا إلى مركز عالمي لإنتاج الطاقة النظيفة، لكن ذلك يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، وتوفير التمويل المستدام.
وفي المقابل، لا تزال القارة تواجه تحديات جوهرية، أبرزها ضعف الوصول إلى الكهرباء في عدد من المناطق، وارتفاع تكلفة التمويل، وصعوبة تنفيذ المشروعات الكبرى، وهو ما يجعل التعاون الإقليمي ضرورة ملحة لتجاوز هذه العقبات.
التحول المصري في قطاع الطاقة
على الصعيد الداخلي، واصلت مصر خلال هذا الأسبوع تنفيذ استراتيجيتها الوطنية للطاقة، والتي تستهدف تنويع مصادر الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، سواء من خلال الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح.
وتسعى الدولة إلى رفع نسبة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى نحو 45% بحلول عام 2028، في إطار خطة شاملة تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة، وتقليل الانبعاثات الكربونية، وتحقيق الاستدامة البيئية.
كما تم التأكيد على استمرار تطوير شبكات الكهرباء والنقل والتوزيع، بما يضمن رفع كفاءة المنظومة الكهربائية، واستيعاب القدرات الجديدة من الطاقة المتجددة، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص للمشاركة الفعالة في مشروعات الطاقة.
نحو سوق كهرباء شفافة وعادلة في أفريقيا
من بين أبرز ملامح هذا الأسبوع أيضًا، التأكيد على أهمية استكمال الأطر التنظيمية لسوق الكهرباء الإقليمية، حيث شدد وزير الكهرباء على أن وجود قواعد واضحة وملزمة هو الأساس لضمان نجاح أي سوق مشتركة.
وأوضح أن توقيع مذكرات التفاهم الحكومية واللوائح التنظيمية بين شركات الكهرباء في الدول الأعضاء يمثل خطوة محورية نحو بناء سوق تعتمد على الشفافية والكفاءة، وتوفر بيئة جاذبة للاستثمار.
كما أشار إلى أهمية دور مجلس التنظيم المستقل في ضمان العدالة بين الدول الأعضاء، ومنع الاحتكار، وتسهيل عمليات تبادل الطاقة عبر الحدود، بما يحقق أقصى استفادة اقتصادية للدول المشاركة.
شراكة مصرية رواندية تعزز التعاون الأفريقي
وفي إطار التحركات الإقليمية خلال الأسبوع، شهدت القاهرة لقاءً مهمًا بين وزير الكهرباء المصري ووزير الدولة للبنية التحتية في رواندا، حيث تم بحث سبل تعزيز التعاون الثنائي في مجالات الكهرباء والطاقة المتجددة.
وأكد الجانب المصري خلال اللقاء على أهمية تعزيز الشراكة مع الدول الأفريقية، وتبادل الخبرات في مجالات تخطيط الطاقة، وتنفيذ مشروعات الطاقة الشمسية والرياح، وتطوير شبكات الكهرباء.
كما استعرضت مصر تجربتها في تنويع مصادر الطاقة، وزيادة الاعتماد على القطاع الخاص، وتوسيع الاستثمارات في مشروعات الطاقة النظيفة، باعتبارها نموذجًا يمكن الاستفادة منه في عدد من الدول الأفريقية.
من جانبه، أعرب المسؤول الرواندي عن اهتمام بلاده بتعزيز التعاون مع مصر، والاستفادة من خبراتها الفنية في تطوير البنية التحتية لقطاع الكهرباء، بما يدعم خطط التنمية المستدامة في رواندا.
مصر مركز إقليمي للطاقة في القارة
مع ختام هذا الأسبوع الحافل، برزت مصر كفاعل رئيسي في مشهد الطاقة الأفريقي، حيث تم التأكيد على أن اختيارها دولة مقر لمشغل سوق الكهرباء في شرق أفريقيا يمثل خطوة استراتيجية تؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الإقليمي.
هذا الدور لا يقتصر فقط على الجانب التنظيمي، بل يمتد ليشمل دعم مشروعات الربط الكهربائي، وتطوير أسواق الطاقة، وتعزيز التعاون بين الدول الأفريقية، بما يرسخ مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة يربط بين أفريقيا وأوروبا.
وبذلك، يعكس هذا الأسبوع تحولًا مهمًا في مسار السياسة الطاقوية المصرية، التي باتت تعتمد على الانفتاح الإقليمي، وتعزيز الشراكات، واستثمار الموارد الأفريقية الضخمة، في سبيل بناء مستقبل طاقة أكثر استدامة وكفاءة للقارة بأكملها.






