قال الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، إن ارتفاع أسعار الوقود لم يعد مجرد أزمة مرتبطة بتكلفة النقل أو أسعار الطاقة، بل أصبح عاملًا رئيسيًا يعيد تشكيل السياسات الاقتصادية محليًا وعالميًا، موضحًا أن الوقود يدخل في أغلب مراحل الإنتاج والتوزيع، وبالتالي فإن أي زيادة في أسعاره تنتقل سريعًا إلى أسعار السلع والخدمات.
وأضاف سلامة في تصريحات خاصة لـ”مصر24 نيوز” أن أخطر انعكاس مباشر لارتفاع أسعار الوقود يتمثل في زيادة معدلات التضخم، لأن ارتفاع تكلفة النقل والتشغيل والإنتاج يؤدي في النهاية إلى زيادة الأسعار على المستهلك النهائي، وهو ما يضغط بقوة على القوة الشرائية للمواطنين، خاصة الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل.
رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم
وأوضح أن البنوك المركزية تجد نفسها أمام معادلة صعبة، إذ تلجأ غالبًا إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، لكن هذا الإجراء يرفع تكلفة الاقتراض ويؤثر على قرارات الاستثمار والتوسع لدى الشركات، ما قد يؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن ارتفاع أسعار الوقود يضع الموازنات العامة تحت ضغط كبير، خصوصًا في الدول التي ما زالت تتحمل جزءًا من دعم الطاقة، لأن زيادة الأسعار العالمية ترفع فاتورة الدعم وتزيد عجز الموازنة والدين العام. ولفت إلى أن الحكومات عادة ما تتحرك بين ثلاثة اختيارات: تقليص الدعم تدريجيًا، أو إعادة توجيهه للفئات الأكثر احتياجًا، أو تثبيت الأسعار مؤقتًا لحماية المواطنين.
وأكد سلامة أن التحدي الحقيقي أمام الحكومات يتمثل في تحقيق توازن بين الإصلاح المالي والحماية الاجتماعية، لأن رفع أسعار الوقود دون تعويض الفئات الضعيفة قد يؤدي إلى ضغوط معيشية واجتماعية واسعة.
وفيما يتعلق بالاستثمار، قال سلامة إن ارتفاع أسعار الوقود يزيد تكاليف التشغيل على الشركات، ويضغط على هوامش الربح، وقد يدفع المستثمرين إلى تأجيل قرارات التوسع، خاصة في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. لكنه أوضح أن بعض القطاعات قد تستفيد من هذه المتغيرات، مثل شركات الطاقة، ومشروعات النقل البديل، والطاقة المتجددة.
الدول المستوردة للوقود.. الأكثر تأثرًا
وأضاف أن الدول المستوردة للوقود تكون الأكثر تأثرًا، لأن ارتفاع الأسعار يؤدي إلى زيادة فاتورة الواردات، واتساع عجز الميزان التجاري، وزيادة الطلب على الدولار، بما يضغط على سعر الصرف. أما الدول المصدرة للطاقة فقد تستفيد مؤقتًا من ارتفاع الإيرادات وزيادة احتياطيات النقد الأجنبي.
وشدد سلامة على أن أحد الجوانب الإيجابية لارتفاع أسعار الوقود هو تسريع التحول نحو الطاقة البديلة، لأن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تصبح أكثر جاذبية اقتصاديًا كلما ارتفعت تكلفة الوقود التقليدي. وأكد أن الاستثمار في الطاقة النظيفة لم يعد رفاهية، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية.
وبالنسبة لمصر، أوضح الخبير الاقتصادي أن ملف الوقود يرتبط بشكل مباشر ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، إذ اتجهت الدولة خلال السنوات الماضية إلى تحرير أسعار الطاقة تدريجيًا وربطها بحركة الأسعار العالمية، بهدف تقليل أعباء الدعم على الموازنة العامة. لكنه أكد أن هذا المسار يحتاج دائمًا إلى إجراءات موازية لحماية الفئات المتضررة، مثل توسيع برامج الدعم النقدي، وزيادة الأجور، وتحسين استهداف الدعم.
واختتم سلامة تصريحاته بالتأكيد على أن أسعار الوقود ستظل خلال السنوات المقبلة أحد أهم العوامل المؤثرة في السياسات المالية والنقدية والتجارية والاجتماعية، مشيرًا إلى أن التعامل معها يتطلب رؤية شاملة تقوم على المرونة، وترشيد الدعم، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وتسريع التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة وأقل اعتمادًا على الطاقة التقليدية.




