
قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير اقتصادي، إن سوق التنازل في القطاع العقاري يكشف جانبًا من حركة السوق لا يظهر بوضوح في إعلانات المشروعات الجديدة، موضحًا أن حجم التعاملات المعروضة للتنازل يعكس بصورة أكبر مستوى الطلب الحقيقي، وضغوط السيولة، وقدرة العملاء على الاستمرار في سداد التزاماتهم.
وأوضح شوقي في تصريحات خاصة لموقع “مصر24 نيوز”، أن بيانات صادرة عن منصة «Aqar exit» في 5 سبتمبر أظهرت تسجيل نحو 9.8 ألف حالة تنازل خلال سبعة أسابيع، بقيمة تعاقدات أصلية تقدر بنحو 53.6 مليار جنيه، بينما بلغت القيمة السوقية للوحدات المعروضة نحو 72.2 مليار جنيه.
وأشار إلى أن أهمية هذه الأرقام لا تتوقف عند حجم سوق التنازل، وإنما تمتد إلى توقيت خروج العملاء من التعاقدات، حيث ظهرت 88.1% من حالات التنازل خلال أول عامين من التعاقد، وهو ما يكشف ما يمكن وصفه بـ«جدار السنة الثانية».
وأضاف، أن العميل قد يتمكن في بداية التعاقد من تدبير قيمة المقدم والدفعات الأولى، لكن الاختبار الحقيقي لقدرته المالية يبدأ مع تراكم الأقساط واقتراب دفعات الاستلام، وهو ما يفسر ظهور نسبة مرتفعة من حالات التخارج خلال السنوات الأولى.
ولفت شوقي إلى أن 20.7% من الوحدات المعروضة للتنازل لديها أقساط متأخرة، بينما وصف 14.5% من البائعين حالتهم بأنها «عاجلة جدًا»، وهو ما يعني أن تقييم السوق لا يجب أن يقتصر على قدرة العميل على شراء العقار في البداية، بل يجب أن يمتد إلى قدرته على الاستمرار في سداد الالتزامات حتى نهاية التعاقد.
وأكد أن هذه المؤشرات لا تعني اختفاء الطلب من السوق العقاري، بل تكشف عن تغير واضح في طبيعة الطلب وسلوك المشترين، موضحًا أن الوحدات التي يقل سعرها عن 3 ملايين جنيه سجلت نحو 9.5 طلب شراء لكل وحدة، مقابل نحو 1.6 طلب فقط للوحدات التي تتجاوز قيمتها 20 مليون جنيه.
وأضاف، أن المنصة سجلت 31 ألفًا و992 طلب شراء صادرة عن 17 ألفًا و268 مشتريًا، فيما حصلت 69.1% من الوحدات المعروضة على أول طلب شراء خلال 48 ساعة فقط من طرحها.
وقال شوقي، إن هذه البيانات تؤكد أن المشتري لا يزال موجودًا في السوق، لكنه أصبح أكثر حساسية للسعر وأكثر اهتمامًا بقدرته الفعلية على السداد، وهو ما يعكس تغيرًا في أولويات الطلب مقارنة بمراحل سابقة.
وأوضح، أن مصدر المخاطر في السوق قد لا يكون غياب الطلب بقدر ما يتمثل في اتساع الفجوة بين سعر العقار من جانب، ودخل المشتري وقدرته على تحمل الأقساط والاستمرار في السداد من جانب آخر.
وأشار شوقي إلى أن هذه التطورات تحمل رسالة مباشرة للمطورين العقاريين، تتمثل في أن نجاح عمليات البيع لا يجب أن يقاس فقط بعدد العقود الموقعة أو قيمة المبيعات المحققة، وإنما بقدرة العملاء على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتهم حتى نهاية فترة التعاقد.
وأكد أن السوق يحتاج إلى إعادة هندسة المنتج العقاري، خصوصًا في الشرائح السعرية المتوسطة، بحيث تصبح قيمة المقدم والأقساط وجدول السداد أكثر ارتباطًا بالتدفقات النقدية الحقيقية للعملاء، وليس فقط بقدرتهم على سداد الدفعة الأولى.
وأضاف، أن التوسع في فترات السداد لا يمثل حلًا كافيًا في حد ذاته إذا ظلت قيمة الالتزامات السنوية ودفعات الاستلام أعلى من القدرة المالية الفعلية للمشتري.
وفيما يتعلق بالبائعين، أوضح شوقي أن قرار التخارج لا يجب أن يعتمد فقط على الأرباح الورقية الناتجة عن ارتفاع السعر السوقي للوحدة مقارنة بسعر التعاقد الأصلي.
وأشار إلى أن وجود نحو 1,497 بائعًا يبحثون عن التخارج السريع يكشف ارتفاع مستوى المنافسة داخل سوق التنازل، موضحًا أن نجاح عملية البيع أصبح مرتبطًا بصورة أساسية بالسعر المطروح وسرعة التنفيذ.
وأكد أن أول 48 ساعة من طرح الوحدة قد تكون حاسمة في تحديد فرص بيعها، خاصة في ظل وجود عدد كبير من الوحدات المعروضة وتزايد حساسية المشترين تجاه الأسعار.
وبالنسبة للمشترين، قال شوقي إن سوق التنازل قد يوفر فرصًا جيدة، خاصة عندما تكون الوحدة معروضة بسعر قريب من سعر التعاقد الأصلي، إلا أن السعر القديم وحده لا يعني بالضرورة أن الصفقة تمثل فرصة استثمارية جيدة.
وشدد على ضرورة فحص المتبقي من الأقساط، وحجم أي متأخرات مستحقة، وشروط التنازل، والموقف القانوني للوحدة، وسمعة المطور، إلى جانب تاريخ التسليم المتوقع.
وأوضح أن الفرصة العقارية الجيدة لا تتمثل بالضرورة في الوحدة الأرخص، وإنما في الوحدة التي يستطيع المشتري شراءها والاحتفاظ بها والاستمرار في سداد التزاماتها دون أن تتحول إلى عبء على تدفقاته النقدية.
وأكد شوقي أن سوق التنازل لا يجب النظر إليه باعتباره مجرد سوق لإعادة بيع الوحدات، وإنما يمثل مؤشرًا مهمًا لقراءة اتجاهات الطلب الحقيقي داخل القطاع العقاري، ومستويات ضغوط السيولة التي تواجه العملاء، ومدى قدرتهم على الاستمرار في السداد، فضلًا عن مصر24جانب من مخاطر السوق العقاري.
واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن السؤال الأساسي الذي يواجه السوق العقاري في المرحلة الحالية لا يتعلق فقط بالحاجة إلى طرح مزيد من الوحدات، وإنما بمدى قدرة السوق على توفير وحدات يستطيع المشترون بالفعل تحمل تكلفتها والاستمرار في سدادها حتى نهاية التعاقد.

