قال الدكتور عمر الغرايبة، أستاذ إدارة المخاطر المالية بجامعة آل البيت في الأردن، إن الاقتصاد العالمي يمر بلحظة شديدة التعقيد تتقاطع فيها أزمات التضخم العنيد، والركود المحتمل، والفقاعات المالية، والصدمات المتكررة في أسواق الطاقة، الأمر الذي يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل ينبغي ترك الأسواق لتصحح نفسها كما افترض آدم سميث، أم أن تدخل الدولة، كما نظّر جون ماينارد كينز، لا يزال شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار؟
وأوضح الغرايبة في تصريحات خاصة لـ”مصر24 نيوز”، أن تعقيد المرحلة الراهنة لم يعد يسمح بحصر النقاش في ثنائية السوق والدولة فقط، بل يدفع نحو سؤال أكثر إلحاحًا، وهو ما إذا كان العالم بحاجة اليوم إلى «كينز جديد» يواكب تحولات القرن الحادي والعشرين، ويستجيب لطبيعة الأزمات الاقتصادية المعاصرة.
ظاهرة الركود التضخمي
وأضاف أن ظاهرة الركود التضخمي، التي تجمع بين ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو، كشفت حدود الأدوات الاقتصادية التقليدية، مشيرًا إلى أن الاقتصاد العالمي يعمل اليوم في بيئة تتسم باضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتضخم مستويات المديونية.
وأكد أن السياسة النقدية وحدها لم تعد قادرة على تحقيق التوازن المطلوب، فرفع أسعار الفائدة قد يساعد في كبح التضخم، لكنه في المقابل يضغط على الاستثمار والنمو، بينما قد يؤدي التوسع النقدي إلى تنشيط الطلب، لكنه يفتح الباب أمام تغذية الفقاعات المالية.
وأشار الغرايبة إلى أن ما يشهده العالم اليوم لا يمكن اعتباره مجرد دورة اقتصادية عابرة، بل هو خلل بنيوي أعمق، يتطلب أدوات أكثر شمولًا وتوازنًا من الأدوات التقليدية المعتادة.
وقال إن أفكار كينز تعود في هذا السياق إلى الواجهة، ليس باعتبارها حلًا شاملًا لكل الأزمات، وإنما بوصفها أداة احتواء مهمة في لحظات الانكماش الحاد أو مخاطر الانهيار النظامي. فقد أثبتت التجربة التاريخية، خاصة خلال الكساد العظيم، أن التوسع المالي يمكن أن يعيد تنشيط الطلب ويحد من البطالة.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أزمات اليوم لا تنتمي إلى النموذج الكينزي الخالص، لأنها لا تعكس فقط ضعفًا في الطلب، بل تكشف كذلك عن اختناقات واضحة في جانب العرض، مثل نقص الطاقة، وتعطل الإنتاج، وتزايد التجزئة الجيوسياسية.
التحفيز التقليدي
وأوضح أن التحفيز التقليدي في مثل هذه الظروف قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لأنه قد يرفع الأسعار دون أن يحقق نموًا مستدامًا، وهو ما يحد من فعاليته كأداة وحيدة لمعالجة الأزمة.
وأشار الدكتور عمر الغرايبة إلى أن العالم العربي يواجه هذه التحديات بصورة أكثر حدة، في ظل ارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، وتباطؤ النمو، وارتفاع تكاليف المعيشة. كما أن الاقتصادات الغنية بالموارد في الخليج ليست بمنأى عن الضغوط، إذ تواجه تقلبات مرتبطة بأسواق الطاقة، إلى جانب ضغوط التحول العالمي نحو مصادر الطاقة البديلة.
وأكد أن الاعتماد على نموذج اقتصادي واحد، سواء كان قائمًا بالكامل على حرية السوق أو على التوسع المالي، لم يعد كافيًا للتعامل مع هذه التحديات، مشيرًا إلى أن المخرج الأكثر واقعية يتمثل في تبني مقاربة هجينة تتجاوز هذا الاستقطاب.
وأوضح أن دور الدولة يظل ضروريًا، لكن ليس من خلال الإنفاق الاستهلاكي واسع النطاق، بل عبر استثمارات استراتيجية تعزز الإنتاجية في مجالات التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والتعليم، والبنية التحتية الرقمية.
وأضاف أن هذا النوع من التدخل لا ينعش الطلب فحسب، بل يساعد أيضًا على معالجة اختلالات العرض، ويؤسس لنمو اقتصادي أكثر استدامة وقدرة على مواجهة الصدمات.
وعلى المستوى الإقليمي، قال الغرايبة إن الخصوصية العربية تتطلب سياسات أكثر دقة وتكاملًا، موضحًا أن الأردن وبلاد الشام بحاجة إلى جعل الاستثمار في رأس المال البشري مدخلًا رئيسيًا للنمو، من خلال مواءمة التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتوسيع التعليم التقني، وتمكين ريادة الأعمال، بدل الاعتماد المفرط على القطاع العام.
وأشار إلى أن مصر تحتاج إلى ربط المشروعات الكبرى بقاعدة إنتاجية محلية، بما يساهم في تعميق سلاسل القيمة الصناعية، وتحويل الإنفاق الاستثماري إلى قوة إنتاجية حقيقية داخل الاقتصاد.
الفرص الاقتصادية بالخليج
أما دول الخليج، فأكد الغرايبة أنها تمتلك فرصة فريدة لتسريع التنويع الاقتصادي، عبر الاستثمار في الطاقة النظيفة والصناعات المعرفية، مستفيدة من فوائضها المالية وقدرتها على تمويل التحولات الاستراتيجية طويلة الأجل.
وأضاف أن تعزيز التكامل الاقتصادي على امتداد المنطقة العربية، في مجالات الطاقة والنقل والأمن الغذائي، يمكن أن يحول نقاط الضعف إلى روافع قوة مشتركة، ويمنح الاقتصادات العربية قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية.
وشدد الدكتور عمر الغرايبة على أن فعالية هذه الرؤية تظل مرتبطة بوجود آليات تنفيذ واضحة وجداول زمنية محددة، موضحًا أن تمويل هذه الاستثمارات في ظل ارتفاع المديونية يتطلب إعادة هيكلة أولويات الإنفاق العام، والتوسع في الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتعبئة التمويل التنموي والإقليمي.
وأكد ضرورة توجيه الدعم نحو المشروعات ذات العائد الإنتاجي المرتفع، مع تحديد أولويات قطاعية واقعية، تبدأ من أمن الطاقة والغذاء، مرورًا بالتصنيع الخفيف وسلاسل القيمة، وصولًا إلى الاقتصاد الرقمي.
وقال إن وضوح الإجابة عن أسئلة: من يبدأ؟ وبماذا؟ ومتى؟ وكيف يتم التمويل؟ لم يعد مجرد تفصيل تقني، بل أصبح شرطًا حاسمًا لتحويل الرؤية الاقتصادية إلى نتائج قابلة للقياس.
الإصلاح المؤسسي
وأضاف أن الإصلاح المؤسسي لا يقل أهمية عن السياسات الاقتصادية نفسها، لأن ضعف الحوكمة، وغياب الكفاءة، واستمرار الاختلالات الإدارية، كلها عوامل قادرة على إضعاف أي تدخل اقتصادي، سواء كان مستندًا إلى أفكار كينزية أو إلى آليات السوق.
وأكد أن بناء مؤسسات شفافة وفعالة ليس خيارًا تكميليًا، بل شرط مسبق لأي نهوض اقتصادي حقيقي.
واختتم الدكتور عمر خليف الغرايبة تصريحاته بالتأكيد على أن القضية لم تعد في إثبات صواب كينز أو سميث، بقدر ما تتعلق بالقدرة على تجاوزهما معًا، وبناء نموذج اقتصادي جديد يوازن بين دور السوق ودور الدولة، وبين الكفاءة والعدالة، وبين النمو والاستدامة.
وقال إن الأزمة الراهنة ليست أزمة أدوات فقط، بل أزمة تصور اقتصادي شامل، وإن إعادة التفكير في هذا التصور تمثل الخطوة الأولى نحو الخروج من حالة التعثر التي تواجه الأسواق والاقتصادات العالمية.








