أوصى خبراء في الأمن السيبراني المؤسسات ببدء تقييم جاهزيتها لمواجهة مخاطر الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي بصورة فورية، وعدم انتظار اقتراب ما يُعرف بـ«اليوم الكمي»، الذي قد تصبح فيه الحواسيب الكمية قادرة على كسر أنظمة التشفير المستخدمة حاليًا.
وأكد الخبراء أن الفترة بين عامي 2028 و2030 قد تشهد تحولات جوهرية في قدرات الحوسبة الكمية، ما يفرض على المؤسسات إعداد خطط مبكرة لحماية بياناتها، وتطوير بنيتها الأمنية، والانتقال تدريجيًا إلى تقنيات تشفير قادرة على مقاومة التهديدات المستقبلية.
جاء ذلك خلال ندوة «نحو مستقبل آمن في عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية»، التي نظمتها جمعية اتصال، بمشاركة المهندس محمود توفيق، المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة Fixed Investment Group، والمهندس سامح زغلول، رئيس التكنولوجيا والابتكار بشركة Fixed Solutions.
استراتيجية انعدام الثقة ضرورة للمؤسسات
قال المهندس محمود توفيق إن نماذج الحماية التقليدية، التي تعتمد على تأمين محيط الشبكة، لم تعد كافية في ظل توسع المؤسسات في استخدام الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتعدد نقاط الوصول إلى الأنظمة والبيانات.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب التحول إلى استراتيجية «انعدام الثقة» أو Zero Trust، التي تعتمد على التحقق المستمر من هوية المستخدمين والأجهزة وطلبات الوصول، وعدم منح الثقة بصورة تلقائية لأي طرف داخل الشبكة أو خارجها.
وأشار إلى أن التحدي لا يتمثل فقط في شراء أدوات أمنية جديدة، بل في إعادة صياغة فلسفة إدارة المخاطر داخل المؤسسات، بحيث يصبح الأمن السيبراني جزءًا أساسيًا من استراتيجية الأعمال، وليس مجرد مسؤولية فنية تقتصر على إدارات تكنولوجيا المعلومات.
وأضاف أن أولويات الحماية تختلف بحسب طبيعة كل قطاع، سواء كان مصرفيًا أو صناعيًا أو تكنولوجيًا أو مرتبطًا بالبنية التحتية الحيوية، ما يستلزم بناء خطط أمنية تتناسب مع حجم المخاطر وطبيعة البيانات التي تمتلكها كل مؤسسة.
الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية يعيدان تشكيل التهديدات
أكد توفيق أن الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية يعيدان تشكيل خريطة التهديدات السيبرانية، من خلال زيادة قدرة المهاجمين على تحليل البيانات واكتشاف الثغرات وتنفيذ هجمات أكثر تعقيدًا وسرعة.
وأشار إلى أن «اليوم الكمي» لم يعد احتمالًا بعيدًا، خاصة مع إعلان شركات تكنولوجية عالمية خططًا للانتقال إلى تقنيات التشفير المقاومة للحوسبة الكمية قبل نهاية العقد الحالي.
وشدد على ضرورة أن تبدأ المؤسسات في دراسة تأثير هذه التقنيات على أصولها الرقمية وأنظمتها وتطبيقاتها، مع وضع سيناريوهات واضحة للانتقال إلى بيئات تشفير أكثر مرونة وأمانًا.
مخاطر تخزين البيانات وفك تشفيرها مستقبلًا
من جانبه، حذر المهندس سامح زغلول من سيناريو «اجمع البيانات الآن وفك تشفيرها لاحقًا»، الذي يعتمد على سرقة البيانات المشفرة وتخزينها في الوقت الحالي، انتظارًا لتطور الحواسيب الكمية وقدرتها مستقبلًا على كسر أنظمة التشفير المستخدمة في حمايتها.
وأوضح أن هذه المخاطر تهدد بصورة خاصة البيانات ذات الحساسية طويلة الأجل، ومنها السجلات المالية، والملكية الفكرية، والمعلومات الحكومية، والمفاتيح التشفيرية، والبيانات الطبية، التي قد تظل ذات قيمة لسنوات طويلة.
وأكد أن حماية البيانات الحالية لم تعد تقتصر على مواجهة الهجمات التقليدية، بل يجب أن تراعي التهديدات التي قد تظهر خلال السنوات المقبلة نتيجة تطور تقنيات الحوسبة الكمية.
تقييم جاهزية المؤسسات للحوسبة الكمية
دعا زغلول المؤسسات إلى تنفيذ تقييم ذاتي للجاهزية الكمية، باعتباره الخطوة الأولى لتحديد مستوى الاستعداد للمخاطر المرتبطة بالحوسبة الكمية.
وأوضح أن التقييم يعتمد على تسعة محاور تشمل الحوكمة، وإدارة المخاطر، وجرد الأصول والخوارزميات التشفيرية، وسلاسل الإمداد، والامتثال، وبناء القدرات، وينتهي بمنح المؤسسة درجة تعكس مستوى جاهزيتها والفجوات التي تحتاج إلى معالجتها.
كما دعا إلى إعداد قائمة شاملة بالمكونات التشفيرية المستخدمة داخل الأنظمة والتطبيقات، بما يساعد المؤسسات على تحديد الخوارزميات المعرضة للمخاطر ووضع جدول زمني لاستبدالها بخوارزميات مقاومة للحوسبة الكمية.
المرونة التشفيرية تضمن استمرارية الأنظمة
أوضح زغلول أن الانتقال إلى الأمن الكمي لا يمثل مشروعًا مؤقتًا، بل يتطلب بناء ما يُعرف بـ«المرونة التشفيرية»، التي تتيح للمؤسسات تغيير خوارزميات التشفير واستبدالها مستقبلًا دون الحاجة إلى إعادة بناء الأنظمة والتطبيقات بالكامل.
وأشار إلى أن هذا النهج يضمن قدرة المؤسسات على مواكبة التطورات التكنولوجية والتحديثات الأمنية، ويقلل من تكاليف الانتقال إلى تقنيات جديدة، ويحافظ على استمرارية الأعمال.
وأضاف أن المؤسسات مطالبة بالبدء في الانتقال التدريجي إلى خوارزميات التشفير المقاومة للحوسبة الكمية، التي اعتمدها المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا.
فجوة في مهارات الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي
أشار زغلول إلى وجود فجوة واضحة في الكفاءات المتخصصة في مجالات الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي داخل السوق المصرية، مؤكدًا أن سد هذه الفجوة يتطلب شراكة بين الحكومة والجامعات والقطاع الخاص.
وأوضح أن بناء القدرات البشرية يجب أن يسير بالتوازي مع تطوير البنية التكنولوجية، من خلال إطلاق برامج تدريبية متخصصة وإدخال مفاهيم الأمن الكمي والذكاء الاصطناعي ضمن المناهج الأكاديمية وبرامج التأهيل المهني.
ولفت إلى قرب صدور الاستراتيجية القومية للحوسبة الكمية في مصر، متوقعًا أن يكون القطاع المصرفي من أوائل القطاعات التي تبدأ في تطبيق متطلبات الاستعداد للحوسبة الكمية، نظرًا لحساسية البيانات المالية واعتماد البنوك المكثف على أنظمة التشفير.
الاستعداد للحوسبة الكمية قرار استراتيجي
اختتم المشاركون الندوة بالتأكيد على أن الاستعداد للحوسبة الكمية لم يعد خيارًا تقنيًا، بل أصبح قرارًا استراتيجيًا يجب أن تتبناه الإدارات العليا بالمؤسسات.
وشددوا على أن إجراء تقييم شامل للجاهزية، وحصر الأصول والخوارزميات التشفيرية، وبناء الكفاءات المتخصصة، ووضع خطط انتقال إلى أنظمة مقاومة للحوسبة الكمية، تمثل خطوات أساسية لحماية البيانات وضمان استمرارية الأعمال خلال السنوات المقبلة.


