أكد محمد محمود، الباحث الاقتصادي، أن هناك جدلا قائما بين عدد من المتابعين حول دلالات ما يُعرف بـ”دولار السوق الموازية”، حيث يرى البعض أنه يمثل مؤشرا على احتمالية عودة السوق السوداء في مصر، إلا أنه أوضح أنه لا يتفق مع هذا الطرح في المرحلة الحالية، مشددًا على أن هذه المؤشرات لا تعكس بالضرورة عودة حقيقية أو منظمة للسوق الموازية كما كان يحدث في فترات سابقة.
وأوضح محمود في تصريحات خاصة لـ”مصر24 نيوز”، أن هذا التقييم يرتبط بشكل مباشر بطبيعة السياسات النقدية التي يتبعها البنك المركزي المصري في الوقت الراهن، والتي أصبحت أقرب إلى آليات السوق الحر، مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بقدر أكبر من التدخل الإداري المباشر في تحديد أسعار العملات.
التحول في السياسة النقدية
وأشار إلى أن هذا التحول في السياسة النقدية أدى إلى تغيرات جوهرية في طريقة تعامل السوق مع سعر الصرف.
وأضاف أن أحد أهم الفروق بين الوضع الحالي والفترات السابقة يتمثل في توافر الدولار داخل البنوك التجارية، حتى وإن كان ذلك بشكل نسبي، إلا أنه يتم تداوله وفق الأسعار الفعلية التي تعكس واقع السوق، دون وجود تثبيت صارم أو مصطنع لسعر الصرف. وأكد أن هذه النقطة تحديدًا تمثل عنصرًا فارقًا في تقييم وضع السوق.
وأشار إلى أنه في الفترات السابقة، كان يتم تثبيت سعر الدولار داخل البنوك رغم عدم توافره بشكل كافي، وهو ما أدى إلى ظهور فجوة واضحة بين السعر الرسمي والسعر الفعلي في السوق، الأمر الذي ساهم في نشوء وانتعاش السوق السوداء، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتلبية الطلب على العملة الأجنبية، أما في الوقت الحالي، فقد تغير هذا النمط بشكل واضح.
وتابع محمود أن أسعار الدولار داخل البنوك أصبحت تتحرك بشكل طبيعي صعودًا وهبوطًا، في نطاقات تتراوح بين الزيادة والانخفاض بنسبة تصل إلى 5% أو 6%، وهو ما يعكس – من وجهة نظره – اقتراب السوق من نموذج سعر الصرف المرن، حيث تتحدد الأسعار وفقًا لقوى العرض والطلب.
وفيما يتعلق بتفسير هذه التحركات، شدد على أنه لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مؤشرًا على اضطراب السوق، بل على العكس، فإنها تعكس درجة من المرونة تسمح بامتصاص التغيرات دون الحاجة إلى تدخلات إدارية حادة أو تثبيت مصطنع للأسعار، وهو ما يعد تطورًا إيجابيًا في إدارة سوق الصرف.
أما فيما يخص ما يتداول بشأن “دولار السوق الموازية” أو ما يعرف بـ”دولار الصاغة”، فقد أوضح محمود أنه ينظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها حالة مؤقتة تستدعي المتابعة، لكنها لا ترقى حتى الآن إلى مستوى الظاهرة المنظمة التي يمكن اعتبارها عودة فعلية للسوق السوداء.
وأكد أن توصيفها كدليل على عودة السوق الموازية بشكل كامل قد يكون مبالغًا فيه في الوقت الحالي.
وأضاف أن من بين المؤشرات التي تدعم هذا التقييم، الانخفاض النسبي في أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة، موضحًا أن الذهب يُعد من الأدوات المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحركة الدولار، وبالتالي فإن تراجعه يعكس غياب ضغوط كبيرة أو اختلالات حادة في سوق الصرف.
وأشار إلى أن العلاقة بين الذهب والدولار تُعد مؤشرًا مهمًا يمكن الاستناد إليه في قراءة أوضاع السوق.
أسعار الدولار والذهب
وأوضح أن التحركات الحالية في كل من أسعار الدولار والذهب لا تزال تدور في نطاقات طبيعية يمكن تفسيرها ضمن التذبذبات المعتادة في الأسواق، ولا تعكس وجود أزمة هيكلية أو فقدان للسيطرة على السوق، كما كان الحال في بعض الفترات السابقة.
وشدد محمود على أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات قوية أو واضحة تدل على عودة السوق السوداء بالشكل الذي شهدته مصر في أوقات الأزمات الكبرى، مثل الفترة التي تزامنت مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والتي شهدت نقصًا حادًا في العملة الأجنبية وأدت إلى اختلالات واضحة في سوق الصرف.
وأكد أن المقارنة بين الوضع الحالي وتلك الفترات ليست دقيقة، نظرًا لاختلاف الظروف والسياسات والأدوات المستخدمة في إدارة السوق.
كما أشار إلى أن تحسن آليات إدارة سوق الصرف في الوقت الحالي يلعب دورًا مهمًا في الحد من ظهور اختلالات كبيرة، وهو ما يعزز من استقرار السوق نسبيًا، حتى في ظل وجود بعض الضغوط.
دولار الصاغة
وفي سياق متصل، أوضح محمود أن ما يُعرف بـ”دولار الصاغة” يرتبط في جانب كبير منه بحركات مضاربية محدودة داخل بعض القطاعات، خاصة المرتبطة بتجارة الذهب وبعض الأنشطة التجارية، وهو ما يجعله مؤشرًا جزئيًا لا يمكن تعميمه على سوق الصرف ككل.
وأكد أن هذه التحركات غالبًا ما تكون قصيرة الأجل وتعكس سلوكيات تداولية أكثر من كونها تعبيرًا عن خلل حقيقي في توازن العرض والطلب على الدولار.
واختتم محمد محمود تصريحاته بالتأكيد على أن الوضع الحالي يتطلب متابعة دقيقة، خاصة أن بعض المؤشرات قد تمثل إشارات مبكرة تستدعي الانتباه، إلا أن الصورة العامة حتى الآن لا تدعم فرضية عودة السوق السوداء بشكل واسع أو منظم، بل تشير إلى أن ما يحدث يدخل في إطار التحركات الطبيعية داخل سوق يتجه تدريجيًا نحو مزيد من المرونة.








