قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن القرض الحسن لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد عمل خيري أو وسيلة تقليدية لمساعدة المحتاجين، موضحًا أنه يمثل في جوهره نموذجًا اقتصاديًا متكاملًا يجمع بين البعد الإنساني والكفاءة الاقتصادية، ويستهدف بناء الإنسان قبل بناء الثروة، وتحريك الإنتاج قبل تعظيم الأرباح.
وأضاف شوقي، في تصريحات صحفية، أن كثيرًا من المفاهيم التي تتنافس الاقتصادات الحديثة اليوم على تطبيقها، مثل الشمول المالي، والتمويل المسؤول، والاستدامة، وتمكين المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وضع الإسلام أسسها منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من خلال مفهوم القرض الحسن، الذي وصفه بأنه أحد أعظم أنظمة التمويل الاجتماعي التي سبقت بها الرؤية القرآنية النظريات الاقتصادية الحديثة.
وأوضح أن القرض الحسن ليس مجرد آلية لسد احتياجات مالية مؤقتة، بل هو أداة اقتصادية فعالة يمكن أن تسهم في تنشيط الدورة الاقتصادية، وتحويل الأفراد من متلقين للدعم إلى عناصر منتجة قادرة على خلق قيمة مضافة داخل المجتمع.
وأكد الخبير الاقتصادي أن التجارب الاقتصادية أثبتت أن المجتمعات لا تنهض بكثرة الأموال وحدها، وإنما بحسن توجيه هذه الأموال نحو الإنتاج والتنمية، مشيرًا إلى أن عبقرية القرض الحسن تكمن في قدرته على تحويل المال من وسيلة للاكتناز إلى أداة للتنمية، ومن عبء ساكن داخل المجتمع إلى محرك للنمو والاستقرار.
القرض الحسن أداة لتحويل الأفراد من الاستهلاك إلى الإنتاج
وأشار الدكتور أحمد شوقي إلى أن الأثر الاقتصادي للقرض الحسن يظهر بوضوح عندما يحصل فرد على تمويل دون فوائد لشراء أدوات مهنة، أو عندما تحصل أسرة على تمويل لبدء مشروع صغير، ففي هذه الحالة لا يقتصر الأثر على تحسين دخل الفرد أو الأسرة فقط، بل يمتد إلى خلق فرص عمل جديدة، وتنشيط الأسواق، وتحريك الطلب والإنتاج، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي.
وأضاف أن القرض الحسن يساعد على التحول من الاستهلاك إلى الإنتاج، ويقلل معدلات البطالة والفقر، ويدعم تدوير الأموال داخل المجتمع بصورة مستمرة، بما يحقق الاستخدام الأمثل للموارد. كما يسهم في زيادة كفاءة توزيع رأس المال، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في المجتمعات التي تعاني من محدودية الوصول إلى التمويل التقليدي أو ارتفاع تكلفة الاقتراض.
وشدد شوقي على أن القيمة الاقتصادية الحقيقية للقرض الحسن لا تُقاس بحجم الأموال التي يتم تقديمها، وإنما بحجم الأثر التنموي الذي يتركه في المجتمع، موضحًا أن مبلغًا صغيرًا يتم توجيهه بصورة صحيحة قد يكون أكثر أثرًا من أموال كبيرة تُستخدم في الاستهلاك أو تظل خارج الدورة الإنتاجية.
أهداف اقتصادية واجتماعية وإنسانية متكاملة
وقال الدكتور أحمد شوقي إن القرض الحسن يحقق منظومة متكاملة من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، في مقدمتها دعم الفئات الأكثر احتياجًا دون تحميلها أعباء مالية إضافية، وتمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر بما يساعد على خلق فرص عمل وتحسين مستويات المعيشة.
وأضاف أن القرض الحسن يعزز الشمول المالي، لأنه يتيح التمويل للفئات التي يصعب عليها الوصول إلى مصادر التمويل التقليدية، سواء بسبب ضعف الضمانات، أو انخفاض الدخل، أو عدم القدرة على تحمل تكلفة الفوائد والرسوم. كما أنه يحد من الاعتماد على الديون مرتفعة التكلفة، ويقلل مخاطر التعثر المالي، خاصة لدى الأسر محدودة الدخل وأصحاب المشروعات الصغيرة.
وأوضح أن من بين أهم أهداف القرض الحسن تحقيق التكافل الاجتماعي من خلال توجيه الموارد لخدمة المجتمع بصورة مستدامة، وتعزيز ثقافة الإنتاج والعمل بدلًا من الاعتماد على المساعدات والاستهلاك، مشيرًا إلى أن هذه النقطة شديدة الأهمية في بناء اقتصادات قوية تقوم على تمكين الأفراد لا على إبقائهم في دائرة الاحتياج.
القرض الحسن يعزز الثقة ورأس المال الاجتماعي
وأكد الخبير الاقتصادي أن الاقتصادات القوية لا تعتمد على رأس المال المالي فقط، بل تعتمد أيضًا على الثقة بين أفراد المجتمع، موضحًا أنه كلما ارتفعت مستويات الثقة، انخفضت تكاليف المعاملات، وازدادت سرعة دوران الأموال، وتحسنت بيئة الاستثمار والإنتاج.
وأوضح أن القرض الحسن يمثل إحدى أهم أدوات بناء الثقة داخل المجتمع، لأنه يقوم على التعاون والإحسان، ولا يقوم على استغلال حاجة المقترض أو تحميله أعباء إضافية قد تعمق أزمته المالية. ولفت إلى أن هذا النوع من التمويل يسهم في تعزيز رأس المال الاجتماعي، وهو من المفاهيم التي تحظى باهتمام متزايد في الاقتصاد المؤسسي والتنمية المستدامة.
وقال شوقي إن الدراسات الاقتصادية الحديثة تؤكد أن المجتمعات التي تتمتع بدرجة أعلى من الثقة والتعاون تكون أكثر قدرة على تحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار، وهو ما ينسجم بصورة واضحة مع فلسفة القرض الحسن، الذي لا ينظر إلى المال باعتباره وسيلة للربح الفردي فقط، بل باعتباره أداة لتحقيق مصلحة المجتمع ككل.
وتابع الدكتور أحمد شوقي أن التعبير القرآني عن القرض الحسن بأنه “قرض لله” يحمل رسالة عظيمة وعميقة، رغم أن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين ولا يحتاج إلى مال أحد، موضحًا أن المقصود هو أن من يقرض المحتاج إنما يعامل الله سبحانه وتعالى، وأن الله تكفل بحفظ الأجر وضمان الجزاء ومضاعفة العطاء.
وأضاف أن هذا الوصف القرآني يمثل أعظم رسالة تحفيزية عرفتها البشرية في مجال التكافل والتمويل الاجتماعي، لأنه يجعل المعطي مطمئنًا إلى أن أمواله لن تضيع، وأن استثماره الحقيقي ليس مع الإنسان وحده، وإنما مع رب الإنسان، ولذلك يكون الضامن الحقيقي في هذه المعاملة هو الله سبحانه وتعالى.
وأكد أن هذه الرؤية تمنح القرض الحسن بُعدًا إيمانيًا وأخلاقيًا واقتصاديًا في الوقت نفسه، حيث يتحول التمويل من علاقة مالية جافة إلى علاقة قائمة على الثقة والرحمة والمسؤولية المجتمعية.
مفاهيم التمويل الأخلاقي والمسؤول
وقال الدكتور أحمد شوقي إن الاقتصاد الحديث بدأ بعد الأزمات المالية العالمية يتحدث بكثافة عن التمويل الأخلاقي، والتمويل المسؤول، والاقتصاد القائم على التضامن، وأهمية تخفيف أعباء الديون عن الفئات الأكثر احتياجًا، إلا أن القرآن الكريم سبق هذه المفاهيم جميعًا عندما جعل الإقراض بلا منفعة شخصية عبادة، وربطه بمضاعفة الأجر، وأقام له إطارًا متكاملًا من القيم والأحكام التي تحقق العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي في آن واحد.
وأضاف أن ما يعتبره العالم اليوم أحد أحدث أدوات التمويل الاجتماعي، قدمه الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا في صورة القرض الحسن، مؤكدًا أن هذا النموذج القرآني يجمع بين الأخلاق والكفاءة، وبين التكافل والنمو، وبين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع.
وأوضح أن العالم المعاصر، في ظل تصاعد أزمات الديون وارتفاع تكلفة التمويل، أصبح أكثر احتياجًا إلى إعادة اكتشاف هذا النموذج العظيم، ليس باعتباره تشريعًا تعبديًا فقط، بل باعتباره رؤية اقتصادية متكاملة سبقت كثيرًا من النظريات الحديثة، ولا تزال قادرة على الإسهام في بناء مجتمعات أكثر عدلًا واستقرارًا وازدهارًا.
القرض الحسن استثمار في الإنسان وتنمية مستدامة
وشدد شوقي على أن القرض الحسن ليس إحسانًا عابرًا، ولا مجرد مساعدة مالية مؤقتة، بل هو استثمار مباشر في الإنسان، ومحرك للإنتاج، وأداة لتعزيز الشمول المالي، وبناء رأس المال الاجتماعي، وتحقيق التنمية المستدامة.
وأكد أن هذا النوع من التمويل يمكن أن يكون أحد الحلول العملية لمواجهة الفقر والبطالة والتهميش المالي، خاصة إذا تم تنظيمه من خلال مؤسسات قوية وآليات واضحة تضمن توجيه التمويل إلى أنشطة إنتاجية، ومتابعة أثره الاقتصادي والاجتماعي، وإعادة تدويره لخدمة أكبر عدد ممكن من المستفيدين.
واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن القرض الحسن يمثل نموذجًا اقتصاديًا سابقًا لعصره، لأنه لا يكتفي بتخفيف معاناة المحتاجين، بل يفتح أمامهم باب الإنتاج والكرامة والاستقلال الاقتصادي، مضيفًا أن المجتمعات التي تنجح في تحويل قيم التكافل إلى أدوات تنموية مؤسسية ستكون أكثر قدرة على مواجهة أزمات الديون وارتفاع تكلفة التمويل، وأكثر استعدادًا لبناء اقتصاد قوي يقوم على الإنسان قبل رأس المال.








