أكدت الدكتورة رانيا الجندي، الخبيرة الاقتصادية، أن التصعيد العسكري المتسارع بين إيران وعدد من دول الخليج يمثل تطورًا شديد الخطورة على الاقتصاد العالمي، موضحة أن العالم يمر بلحظة حساسة قد تعيد تشكيل موازين أسواق الطاقة والتجارة الدولية. وأشارت إلى أن المواجهة، رغم أنها تبدو محصورة جغرافيًا داخل الإقليم، فإن انعكاساتها الاقتصادية تمتد سريعًا إلى الأسواق المالية العالمية، وتضع اقتصادات ناشئة وفي مقدمتها مصر أمام اختبار معقد ومركب.
وأوضحت الجندي في تصريحات خاصة لموقع مصر24 نيوز، أن بؤرة القلق الأساسية ترتبط بقطاع الطاقة، حيث يقع التصعيد في أهم منطقة لإمدادات النفط عالميًا، لافتة إلى أن نحو 20% من تجارة النفط المنقولة بحرًا تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي تهديد لحركة الملاحة فيه كفيلًا بإشعال الأسعار عالميًا.
ارتفاع أسعار خام برنت وخام غرب تكساس
وأضافت الخبيرة أن ارتفاع أسعار خام برنت وخام غرب تكساس يعكس بالفعل حالة القلق في الأسواق، مع احتمالات تسجيل قفزات أكبر إذا اتسعت رقعة المواجهة.
وأكدت أن ارتفاع النفط لا ينعكس فقط على تكلفة الوقود، بل يقود إلى موجة تضخم عالمية، ويضع ضغوطًا على البنوك المركزية التي قد تضطر إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة، ما يعقد مسار التعافي الاقتصادي.
وأشارت إلى أن أسواق المال بطبيعتها تبحث عن الأمان في أوقات الأزمات، موضحة أن المستثمرين يتجهون نحو الدولار الأمريكي وسندات الخزانة الأمريكية، بينما يسجل الذهب مكاسب قوية باعتباره ملاذًا آمنًا. وفي المقابل، تتعرض أسواق الأسهم لضغوط واضحة، خاصة في الأسواق الناشئة التي تشهد عادة خروجًا لرؤوس الأموال قصيرة الأجل.
وأضافت أن شركات الطاقة العالمية تستفيد من ارتفاع الأسعار، في حين يتضرر قطاع الطيران بشكل ملحوظ نتيجة زيادة تكاليف الوقود واضطراب حركة الطيران.
كيف تأثر الاقتصاد المصري؟
وفيما يتعلق بمصر، شددت الدكتورة رانيا الجندي على أن الاقتصاد المصري يتأثر عبر عدة قنوات متزامنة، وأوضحت أن البورصة المصرية عادة ما تشهد موجات بيع خلال مثل هذه الأزمات نتيجة خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، والتي تُقدّر بنحو 1.5 مليار دولار حتى الآن، ما يؤدي إلى ارتفاع عوائد أذون وسندات الخزانة وزيادة تكلفة الاقتراض على الحكومة. وأضافت أن الجنيه المصري يواجه ضغوطًا في ظل ارتفاع أسعار النفط وزيادة فاتورة الاستيراد، بالتزامن مع اتجاه المستثمرين عالميًا نحو الدولار، وهو ما يستدعي إدارة حذرة لسعر الصرف لتفادي موجات تضخمية مفاجئة.
وأكدت الجندي أن ملف الطاقة يعود بقوة إلى الواجهة، مشيرة إلى أن أي اضطراب في إمدادات الغاز من إسرائيل، والتي تمثل نسبة مهمة من الاستهلاك المحلي، قد يعيد سيناريو توقف الإنتاج في حقل تمار، بما يضع قطاع الكهرباء والصناعة تحت ضغط مباشر. وأوضحت أنه في هذه الحالة قد تضطر الحكومة إلى استيراد شحنات غاز مسال بأسعار أعلى أو زيادة استخدام المازوت، ما يرفع تكلفة الإنتاج ويشكل عبئًا إضافيًا على الموازنة العامة.
وأضافت أن قناة السويس تدخل أيضًا ضمن دائرة التأثر، نظرًا لاعتماد إيراداتها على استقرار حركة التجارة العالمية. وأشارت إلى أن تصاعد المخاطر قد يدفع شركات الشحن العالمية إلى إعادة تقييم مساراتها أو مواجهة ارتفاع كبير في تكاليف التأمين البحري، وهو ما قد ينعكس سلبًا على حركة المرور عبر القناة وعلى الإيرادات.
ولفتت إلى أن الضغوط على الاقتصاد المصري يمكن النظر إليها من ثلاثة أبعاد مترابطة، تتمثل في ضغط خارجي مرتبط بارتفاع فاتورة الطاقة ومخاوف تراجع إيرادات قناة السويس، وضغط مالي ناتج عن احتمالات خروج رؤوس الأموال وارتفاع تكلفة التمويل، وضغط نقدي يتعلق بالجنيه ومعدلات التضخم.
وأوضحت أن التجارب التاريخية تشير إلى أن الأسواق قادرة على التعافي إذا بقي التصعيد محدودًا من حيث المدة والنطاق الجغرافي، لكنها حذرت من أنه إذا طال أمد المواجهة أو تأثرت ممرات الطاقة بشكل مباشر، فقد يشهد العالم موجة تضخمية جديدة تضغط بقوة على الاقتصادات الناشئة. وأكدت أن العامل الحاسم بالنسبة لمصر يتمثل في سرعة وكفاءة إدارة الصدمة، من خلال تعزيز الاحتياطي النقدي، وتنويع مصادر الطاقة، واتباع سياسة مرنة في إدارة سعر الصرف دون اللجوء إلى قرارات مفاجئة قد تزيد من حدة الضغوط التضخمية.
واختتمت الدكتورة رانيا الجندي تصريحاتها بالتأكيد على أن المنطقة تقف عند نقطة تحول مهمة، وأن تكلفة أي تصعيد لن تقتصر على ساحات المواجهة، بل ستنعكس في أسعار الوقود، وسعر العملة، وقيمة مدخرات الأفراد، لتصبح حسابات الاقتصاد عنصرًا أساسيًا في معادلة الصراع.








